ﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

إلا من ارتضى العائد إلى الموصول محذوف فإنه يطلع من ارتضاه أحيانا ليكون معجزة ويبشر المطيعين ومنذر العاصين من رسول أعم من البشر والملائكة ويشتمل لفظة الرسول الأنبياء أيضا قال الله تعالى أرسلهم إلى الناس لتبليغ الأحكام وتخصيص لفظ الرسول بمن أرسله الله بشريعة جديدة وكتاب اصطلاح وقيل : بل يشتمل الأولياء أيضا بعموم المجاز، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( العلماء ورثة الأنبياء )١ رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي في حديث عن كثير بن قيس وابن البخاري عن أنس وابن عدي عن علي بلفظ ( العلماء مصابيح الأرض وخلفاء الأنبياء أو ورثتي وورثة الأنبياء ) وابن عقيل عن أنس بلفظ ( العلماء أمناء الرسل ما لم يخالطوا السلطان ويداخلوا الدنيا ) الحديث وقال أهل السنة والجماعة كرامات الأولياء معجزة لنبيهم قال الله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ٢ وقد بعث الله تعالى خاتم النبيين إلى كافة فاعتبر أهل السنة أتباعه صلى الله عليه وسلم من العلماء والأولياء لسانا له صلى الله عليه وسلم حتى يستقيم الحصر واستغراق الإضافة في لسان قومه فعلى تقدير شمول لفظ الرسول للأولياء لا يلزم نقص بحصول علم الغيب لهم على وجه الكرامة وعلى تقدير عدم شموله نقول المراد بالعلم العلم القطعي والعلم الحاصل للأولياء بالإلهام وغيره ظني ليس بقطع، ومن ثم قالت الصوفية العلية إنه لا بد من عرض العلوم الحاصلة للصوفية على الكتاب والسنة فإن طابقت قبلت إذ المطابق للقطع قطعي وإن خالفت ردت قالوا : كل حقيقة ردته الشرع فهو زندقة وإن كانت الشريعة عنها ساكتة قبلت مع احتمال الخطأ فاندفع ما قال صاحب الكشاف بناء على اعتزاله إن في هذه الآية إبطال لكرامات لأن الذين يضاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا الرسل الخ، وكفى التكذيب أهل الهواء قوله تعالى : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ٣ وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ ٤ وقوله تعالى : فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا ٢٤ وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ٢٥ فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ٢٦ ٥ فإن أم موسى وأم عيسى والحواريين لم يكونوا أنبياء واعلم أن ما ذكرت لك أن العلم الحاصل للأولياء ظني، المراد به العلم الحاصل علما حصوليا وذلك قد يكون بالإلهام بتوسط الملك وبغير توسطه وقد يكون بكشف الحجب كما ذكرنا في حديث عمر يا سارية الجبل ومن هذا القبيل ما قيل : إنه قد ينكشف على بعض الأولياء في بعض الأحيان اللوح المحفوظ فينظرون فيه القضاء المبرم والمعلق وقد يكون بمطالعة عالم المثال في المنام أو المعاملة، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة )٦ متفق عليه، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا : وما المبشرات ؟ قال : الرؤيا الصالحة ) رواه البخاري، وهذه الأنواع من العلم قد يقع فيه الخطأ بغير الأنبياء لوقوع الغلط وتخليط الشيطان في الإلهام فإن في قلب بني آدم بيتان في أحدهما الملك وفي الآخر الشيطان فأحيانا يلتبس لمة الملك بلمة الشيطان وقوع تخليط الوهم وتلبيس الشيطان في الكشف ورؤية عالم المثال، عن أبي قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان )٧ متفق عليه، وقال محمد بن سيرين قال :( الرؤيا ثلاث حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله ) متفق عليه ووقوع الغلط في تأويل الرؤيا لكن ووقع الخطايا في علوم الأولياء نادر لتشبههم بالأنبياء فالأنبياء معصومون والأولياء محفوظون غالبا وأما العلم الحاصل للأولياء علما حضوريا بل فوق الحضوري وهو العلم المتعلق بذات الله تعالى وصفاته المسمى بالعلم اللدني فهو لا يحتمل الخطأ وهو قطع وجداني بل فوق القطعي لأن علم المرء بنفسه علم حضوري وجداني فإنه بحضور نفس المعلوم عند العالم من غير حصول صورة فيه وعلم الصوفي بالله فوق هذا العلم لأن الله تعالى قرب من نفسه بنفسه قال الله تعالى : ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ٨٥ ٨ أيها العوام ويبصره من أبصره الله تعالى وهذا العلم اللدني يحصل للأولياء بتوسط الرسول صلى الله عليه وسلم ولو بوسائط. فإن قيل : نحن أقرب إليكم خطاب لسائر الناس ويلزم منه أن يكون لسائر الناس علما بالله تعالى حضوريا فوق علمه بنفسه ؟ قلنا : نعم لكن العلم تابع للحياة لا يتصور بدونها وقد ذكر في تفسير سورة الملك أن الحياة على أربعة أقسام منها ما يستتبع المعرفة وتلك الحياة بالتجليات الذاتية والصفاتية ولأجل حصول هذه الحياة الاكتساب والتصوف. فإن قيل لو كان هذا العلم الثاني قطعيا لما أخطأه فيه ولما تعارض أقوالهم وقد يخطئون كما يدل عليه تعارض أقوالهم المقتضى خطأ أحد المتنافيين فإنه يقول بعضهم بالتوحيد الوجودي وبعضهم بالتوحيد الشهودي ونحو ذلك ؟ قلت : هذا الخطأ إنما يقع في علم العلم الذي من قبيل العلم الحصولي دون نفسه وقد يقع في بيانه وتصويره حيث لم يوضع لهذه المعاني ألفاظ في اللغات قال الشاعر :
المراد بالكفر في هذا الشعر كفر الطريقة المسمى بالتوحيد الوجودي وبالدين الشريعة، وفذلكة الكلام في هذا المقام أن بين الخالق والخلق نسبة ليست بين أي الشيئين فرضتا من الأشياء إذ لا خالق إلا هو فلا يمكن أن يشتبه تلك النسبة بما عداها من النسب لا يقال : ليس نسبة الخالق مع المخلوق كنسبة النقش مع النقاش أو نسبة القدح مع الفجار لأنه ليس كذلك فإن القدح مادته الخشب والنقش مادته اللون ونحو ذلك مخلوقة لله تعالى والصورة الخاصة بعد فعل النجار أيضا مخلوقة لله تعالى وفعل النجار أيضا مخلوق لله تعالى رغم أنف المعتزلة، والنجار إنما هو كاسب لبعض من المعاملات فما لكم لا تعقلون ولما كانت النسب التي تدرك في العقل بين أي الشيئين الموجودين في الخارج أو الذهن من العينية والغيرية والظلية وغيرها مسلوبة من تلك النسبة وهي وراء النسب ولم يوضع لها لفظ يدل عليها فقد يعبر عنها بأنه تعالى ليس عين خلقه فيوهم أنه غيره أو أن الخلق ظله وقد يعبر بأنه ليس غير الخلق وليس هناك نسبة الظلية فيوهم أنه عين الأشياء ثم قد يطلق بالمجاز باعتبار الملازمة بين العينية وسلب الغيرية في الأذهان بأنه تعالى عين الأشياء كلها كذا قد يقال بأنه غيرها، وقد يقال إنها ظل وليس ذلك الاختلاف والتعارض إلا في مراتب العلم الحضوري في تعبيراتهم لضيق العبارات وأحسن التعبيرات في هذا المقام قوله تعالى : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ٩ والمقصود من التصورات هو هذا العلم اللدني دون العلوم الحاصلة في الظنون فإنه لا اعتداد بها وأن الظن لا يغفي من الحق شيئا والله تعالى أعلم. فإن قيل : سلمنا أن علوم الأولياء داخلة في المستثنى أو خارجة من المستثنى منه لكونها ظنية فما قولكم في علوم الكهنة والمنجمين وعلم الأطباء بالأمراض وبما فيه شفاء المريض وبخواص النباتات ونحوها فإن الأخبار والتجربة تشهد على صدق بعض أخبارهم. روى البخاري عن ابن الناطور حديث صاحب إيليا وقد أسلم يحدث أن هرقل حين قدم إيليا أصبح يوما خبيث النفس فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك، وقال ابن الناطور وكان هرقل ينظر في النجوم فقال لهم حين سألوه إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر الحديث١٠، ثم كتب هرقل إلى صاحب له برؤيته وكان نظيره في العلم فأتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي وقد صح أن الكهنة والمنجمون أخبروه الخروج بموسى لفرعون وبزوال ملكه على يد غلام من بني إسرائيل حتى كان فرعون يذبح أبنائهم ويستحي نساءهم قلنا : أما علم الكهنة فما كان منها مطابقا للواقع فذلك استراق السمع من الملائكة والملائكة رسل الله لكن الكهنة والشياطين يختلطون فيه أكاذيب ولذلك نهى الشرع عن تصديقهم ثم قد منع الجن بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستراق إما مطلقا أو غالبا فبطل الكهانة، عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان وقيل : إنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون فيه أكثر من مائة كذبة )١١ متفق عليه، وأما علم الطب والنجوم فمبناهما إما التجارب وذلك من علم الشهادة دون الغيب والأظهر أن ذينك العلمين أعني العلم بخواص الأدوية والطبائع وكذا بخواص النجوم من السعادة والنحوسة وغيرها مقتبسان من علوم الأنبياء فبقي العلمان في الكتب ونسجت عناكب النسيان على سلاسل المرواة واكتفوا بشهادة التجارب في معرفتها قال الله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام فنظر نظرة في النجوم ٨٨ فقال إني سقيم ٨٩ ١٢ أي ساقم، وذكر البغوي في تفسير سورة سبأ أن سليمان عليه السلام ما يأتي عليه يوم إلا تثبت في محراب بيت المقدس شجرة فيسألها من اسمك ؟ فتقول : اسمي كذا فيقول : لأي شيء أنت ؟ فيقول : لكذا وكذا فأمر بها فينقطع فإن كانت بنت الغرس غرس لها : وإن كانت الدواء كتب حتى تنبت الخروبة فقال لها ما أنت ؟ قالت : الخروبة، قال : لأي شيء أنبتت ؟ قالت : لخراب مسجدك، كذا ذكر الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي رحمه الله في رسالة المنقذ من الضلال ثم إن علم الطب والنجوم ليسا يوجبان للقطع فإن التأثيرات المودعة في الأدوية والكواكب أمر عادي جرت العادة الإلهية على خلق تلك الآثار بعد استعمال تلك الأدوية وبعد طلوع تلك النجوم ويتخلف تلك الآثار عنها كثيرا إن شاء الله ومن ههنا يعلم أن من استدل بالنجوم على شيء وزعم أن الله تعالى يفعل كذلك بعد طلوع ذلك النجم جريا على عادته فلا يكفر كمن زعم أن الله تعالى يخلق الشفاء بعد شرب الدواء ويخلق الموت بعد شرب السم وأما من زعم أن حدوث ذلك الشيء بذلك النجم فيكفر كما زعم أن الدواء علة تامة على الشفاء. عن زيد بن خالد الجهني قال صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال :( هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : قد أصبح قوم من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي والكافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافرين ومؤمن بالكواكب )١٣ متفق عليه، فهذا الحديث إنما يدل على كفر الثاني دون الأول غير أن الاشتغال بالنجوم مطلقا مكروه لكونه مما لا يعنيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد وما زاد )١٤ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس، وكذلك علم النقاط والخطوط الذين يسمونها إملاء فهو أيضا مقتبس من الأنبياء ويفيد ظنا لا قطعا وأما الطيرة فليس بشيء، عن معاوية بن الحكم قال قلت يا رسول الله أمور كما نصنعه في الجاهلية كنا نأتي الكهان

١ أخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة (٢٦٨٢)، وأخرجه أبو داود في كتاب: العلم، باب: في فضل العلم (٣٦٣٧)، وأخرجه ابن ماجه في افتتاح الكتاب، باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم (٢٣)..
٢ سورة إبراهيم، الآية: ٤..
٣ سورة القصص، الآية: ٧..
٤ سورة المائدة، الآية: ١١١..
٥ سورة مريم، الآية: ٢٦..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة (٦٩٨٧)، وأخرجه مسلم في كتاب: الرؤيا (٢٢٦٣)..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: التعبير، باب: الرؤيا من الله (٦٩٨٤)، وأخرجه مسلم في كتاب: الرؤيا (٢٢٦١)..
٨ سورة الواقعة، الآية: ٨٥..
٩ سورة الشورى، الآية: ١١..
١٠ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (٧)..
١١ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: قول الرجل للشيء ليس بشيء وهو ينوي أنه ليس بحق (٦٢١٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان (٢٢٢٨)..
١٢ سورة الصافات، الآية: ٨٨..
١٣ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان كفر من قال مطرنا بالنوء (٧١)..
١٤ أخرجه أبو داود في كتاب: الكهانة والتطير، باب: في النجوم (٣٩٠٠)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الأدب، باب: تعلم النجوم (٣٧٢٦)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير