ﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

قوله : فعصى فِرْعَوْنُ الرسول ، إنما عرفه لتقدم ذكره، وهذه «أل » العهدية، والعرب إذا قدمت اسماً ثم حكت عنه ثانياً، أتوا به معرفاً ب «أل »، أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو «رأيت رجلاً فأكرمتُ الرجل، أو فأكرمته »، ولو قلت :«فأكرمت رجلاً » لتوهم أنه غير الأول وسيأتي تحقيق هذا عند قوله تعالى : فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً [ الشرح : ٦ ] وقوله - عليه الصلاة والسلام - :«لَنْ يغْلِبَ عسرٌ يُسرين »١.
قال المهدوي هنا : ودخلت الألف واللام في «الرسول » لتقدم ذكره، ولذلك اختير في أول الكتب «سَلامٌ عَليْكُم »، وفي آخرها «السَّلام عليْكُم ».
قوله : فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً ، أي : شديداً، وضرب وبيل، وعذاب وبيل، أي : شديد.
قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه :«مطر وابل »، أي : شديد٢، قاله الأخفش.
وقال الزَّجاجُ : أي : ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر وابل. وقيل : مهلكاً، قال :[ الكامل ]
٤٩٣٤ - أكَلْتِ بَنِيكِ أكْل الضَّبِّ حتَّى*** وجَدْتِ مرارة الكَلأ الوَبيلِ٣
واستوبل فلان كذا : أي : لم يحمد عاقبته، وماء وبيل، أي : وخيم غير مريء وكلأ مستوبل، وطعام وبيل ومستوبل إذا لم يُمرأ ولم يستمرأ ؛ قال زهير :[ الطويل ]
٤٩٣٥ - فَقضَّوا مَنايَا بَينَهُمْ ثُمَّ أصْدَرُوا*** إلى كَلأٍ مُستوبَلٍ مُتوخمِ٤
وقالت الخنساء :[ الوافر ]
٤٩٣٦ - لَقَدْ أكَلتْ بجِيلةُ يَوْمَ لاقَتْ*** فَوارِسَ مالِكٍ أكْلاً وبِيلا٥
والوبيل أيضاً : العصا الضخمة ؛ قال :[ الطويل ]
٤٩٣٧ - لَوْ أصْبَحَ فِي يُمْنَى يَديَّ رِقامُهَا***وفِي كفِّيَ الأخْرَى وبِيلاً نُحَاذِرُهْ٦
وكذلك :«الوبل » بكسر الباء، و «الوبل » أيضاً : الحزمة من الحطب وكذلك «الوبيل ».
قال طرفة :[ الطويل ]
٤٩٣٨ -. . . *** عَقِيلةُ شَيْخٍ كالوَبِيلِ يَلنْدَدِ٧

فصل في الاستدلال بالآية على «القياس »


قال ابن الخطيب٨ : هذه الآية يمكن الاستدلال بها على إثبات القياس، لأن الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى.
فإن قيل هنا : هب أن القياس في هذه الصورة حجة، فلم قلتم : إنه في سائر الصور حجة، حينئذ يحتاج إلى سائر القياسات على هذا القياسِ، فيكون ذلك إثباتاً للقياس بالقياس ؟.
قلنا : لا نثبت سائر القياسات بالقياس على هذه الصورة، وإلا لزم المحذور الذي ذكرتم بل وجه التمسك أن نقول : لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظنّاً يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام في هذه الصورة وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم هنا، فإنَّ لقائلٍ أن يقول : لعلهم إنما استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حال العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية غير موجودة - هاهنا -، ثم إنه تعالى مع قيام هذا الاحتمال جزم بالتسوية في الحكم [ فهذا الجزم لا بد وأن يقال إنه كان مسبوقاً بتقدير أنه متى وقع اشتراك في المناط الظاهر وجزم الاشتراك في الحكم ]، وإن الفرق المرجوح من أن ذلك المرجوح لخصوص تلك الواقعةِ لا عبرة به لم يكن لهذا الكلام كثير فائدة، ولا معنى لقولنا القياس حجة إلا لهذا.

فصل في معنى شهادة الرسول عليهم


قال ابن الخطيب٩ : ومعنى كون الرسول شاهداً عليهم من وجهين :
الأول : أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم، وتكذيبهم.
الثاني : أن المراد بكونه شاهداً كونه مبيناً للحق في الدنيا ومبيناً لبطلان ما هم عليه من الفكر، لأن الشاهد بشهادته يبين الحق، ولذلك وصفت بأنها بينة، ولا يمتنع أن يوصف صلى الله عليه وسلم بذلك من حيث إنه يبين الحق.
قال ابن الخطيب١٠ : وهذا بعيد، لأن الله تعالى قال : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى الناس [ البقرة : ١٤٣ ] أي : عُدُولاً خياراً، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فبين أنه شاهد عليهم في المستقبل لأن حمله الشهادة في الآخرة حقيقة، وحمله على البيان مجاز، والحقيقة أولى من المجاز.
١ سيأتي تخريجه في "سورة الشرح"..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٩٠) عن ابن عباس ومجاهد.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٦/٤٤٦) عن ابن عباس وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم..

٣ قائله هو العملس بن عقيل. ينظر الحيوان ٤٩١٦، والمعاني الكبير ص ٦٤٢، والأغاني ١٢/٢٧١، وشرح شواهد المغني ٢/٧٨٣، ومغني اللبيب ٢/٣٦٦، والقرطبي ١٩/٣٣..
٤ ينظر: شرح ديوان زهير ص (٢٤)، واللسان (وخم) والقرطبي ١٩/٣٣..
٥ ينظر: القرطبي ١٩/٣٣..
٦ ينظر: اللسان (وبل) والقرطبي ١٩/٣٣..
٧ يروى يلندد مكان المبدد.
ينظر: ديوان طرفة ص ٣٨، واللسان (وبل) والقرطبي ١٩/٣٣..

٨ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/١٦١..
٩ السابق..
١٠ السابق ٣٠/١٦٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية