فعصى فرعونُ الرسولَ الذي أرسلنا إليه، أي : عصى ذلك الرسول ؛ لأنَّ النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى. ومحل الكاف النصب على أنها صفة لمصدر محذوف، أي : أرسلنا إليكم رسولاً فعصيتموه، كما يُعرب عنه قوله تعالى : شاهداً إرسالاً كائناً كإرسال موسى لفرعون، فعصاه، فأخذناه أخذاً وَبيلاً ؛ شديداً غليظاً. وإنما خص موسى وفرعون ؛ لأنَّ خبرهما كان منتشراً بين أهل مكة ؛ لأنهم كانوا جيران اليهود.
أُولي النِّعمة : الترفُّه، فطلبُ اللذات والتنعُّم شَغَلهم عن التبتُّل، حتى افترقت قلوبُهم وأرواحهم، وأشركوا مع الله غيره، و " مَهِّلْهُم قليلاً " أي : زمن عمرهم ؛ لأنه قليل وإن طالت مدته ؛ إذ لا فائدة فيه. إنَّ لدينا أنكالاً، أي : قيوداً من العلائق والعوائق تعلقهم وتعوقهم عن الوصول إلى أسرار التوحيد، وطعاماً ذا غُصةٍ يغص الروح عن شراب الحمرة ؛ لضيق مسلكه بوجود العوائق، وعذاباً أليماً : البُعد والطرد عن باب حضرتنا وجناب كبريائنا. يوم ترجف أرض البشرية بهزها بذكر الله، وجبال العقل بتجلِّي أنوار الذات، فيصير هباءً منثوراً. إنَّا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم ، وهو الداعي إلى هذه الأسرار التفريدية، كما أرسلنا إلى فراعين كل زمان رسولاً يدعوهم إلى الله، فعصى فرعونُ كل زمان رسولَه، وهو الخليفة عن الله ورسولِه صلى الله عليه وسلم، فأخذناه أخذاً وبيلاً، فاختطفته المنية من سعة القصور إلى ضيق القبور، فكيف تتقون الله حق تقاته، إن كفرتم يوم وقوفكم بين يدي الواحد القهار ؟ يوم تشيب فيه الولدان خجلاً من الملك الديّان. السماءُ منفطر مِن هوله، حين يُحال بين المرء وعملِه، إذ ليس محلّ العمل، وإنما هو محل إظهار كرامات العمل، وحِيل بينهم وبين ما يشتهون، إنَّ هذه تذكرة بالغة، فمَن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً يوصله إليه اليوم، قبل أن يُحال بينه وبينه بسور الموت. وبالله التوفيق. هَذا الوُجودُ وإن تَعَدَّدَ ظَاهِـراً وحَيَاتكُـم ما فِيـه إلا أَنْتُـمُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي