ﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

أو زد عليه أي على النصف ما شئت فالمأمور به في هذه الآية القيام أكثر من الربع لو ساعة والظاهر أن الأمر بالقيام في هذه الآية للوجوب كما هو مقتضى الأمر في الأصل فمقتضى الكلام البغوي وهو المستفاد من قول عائشة وغيرها أن قيام الليل بهذه الآية كان واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته ثم نسخ، قال البغوي كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقومون على هذه المقادير فكان الرجل لا يدري متى ثلث الليل ومتى النصف ومتى الثلثان فكان يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم فرحمهم الله تعالى وخفف عنهم ونسخها بقوله : فاقرءوا ما تيسر منه ١ وكان بين أول السورة وآخرها سنة. عن سعيد بن هشام قال : انطلقت إلى عائشة فقلت : يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : ألست تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى قالت : فإن خلق نبي الله كان القرآن، قلت : فقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أم المؤمنين قالت : ألست تقرأ : يا أيها المزمل ١ قلت : بلى قالت : فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله تعالى فأتمتها اثني عشر شهرا في السماء ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة٢ رواه أبو داود والنسائي والبغوي وكذا أخرج الحاكم وأخرج ابن جرير مثله عن ابن عباس وغيره قال مقاتل وابن كيسان كان هذا بمكة قبل أن يفرض الصلوات الخمس ثم نسخ ذلك بالصلاة والخمس والظاهر عندي أن الوجوب كان مختصا بالنبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك ٣ فإن كلمة من للتبعيض صريح في أن الصحابة بعضهم كانوا يقومون دون بعض. فإن قيل : لو كان وجوبه مختصا بالنبي صلى الله عليه وسلم فكيف يصح تعليل التخفيف لقوله تعالى : علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ٤ فإن هذه الآية يقتضي رعاية حال الأمة وضعفهم ؟ قلنا : خفف الله سبحانه عن النبي صلى الله عليه وسلم لرعاية ضعف الأمة وأعذارهم لأن الناس بما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم مسنون للأمة مطلوب الإتيان منهم من غير إيجاب بحيث يلام تاركه قال الله تعالى : لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ٥ وما قيل : إن المسنون ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التطوع احترازا عن صوم الوصال ونحوه فليس بشيء لأن الأصل التأسي والاقتداء مطلقا فلا يترك إلا إذا كان ذلك الأمر ممنوعا محرما أو مكروها في حق الأمة كصوم الوصال ووصل النكاح فوق الأربعة وغير ذلك ولا وجه لتخصيص التأسي بما واظب النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التطوع ورتل القرآن ترتيلا عطف على قم الليل وما قيل الترتيل مندوب إجماعا فعطفه على القيام يقتضي كون الأمر بالقيام أيضا للندب فليس بشيء. عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها )٦ رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي، والترتيل عبارة عن إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة كذا في الصراح وفي القاموس نحوه، وعن ابن عباس معناه بينه وبيانا وعن الحسن نحوه، وقال مجاهد ترتيل فيه ترسلا عن قتادة قال : سئل عن أنس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمان الرحيم يمد ببسم الله ويمد بالرحمان ويمد بالرحيم٧ رواه البخاري، قلت : معنى قوله يمد ببسم الله ويمد بالرحمان ويمد بالرحيم أنه يظهر فيه الألف من الله بعد اللام ومن الرحمان بعد الميم بقدر حركة وأما مد الرحيم فيجوز فيه المد بقدر الحركتين وأربع وست عند الوقف وفي الوصل لا يجوز إلا بقدر حركة أجمع عليه القراء. وعن أم سلمة أنها سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا٨ رواه الترمذي وأبو داود والنسائي، وعنهما قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقول الحمد لله رب العالمين ثم يقول الرحمان الرحيم ثم يقف رواه الترمذي، قلت : ويتضمن الترتيل تحسين الصوت بالقرآن عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن )٩ متفق عليه، وفي رواية عنه ( ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به ) متفق عليه وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) رواه البخاري، وليس المراد إلا تحسين الصوت كما خرج به في بعض الروايات دون إخراجه على وجه الغناء فإنه حرام ممنوع عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق ولحون أهل الكتابين وسيجيء بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يتجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم ) رواه البيهقي في شعب الإيمان.
فائدة :
والحكمة في الترتيل التدبر في معاني القرآن والألفاظ بموعظة والخوف عند آية الوعيد والرجاء عند آية الوعد ونحو ذلك، روى البغوي عن ابن مسعود قال : لا تنتثروه نثر الدقل ولا تهزوه هز الشعر قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة، وعن حذيفة قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل فما مر بآية فيها ذكر الجنة إلا وقف وسأل الله الجنة وما مر بآية فيها ذكر النار إلا وقف وتعوذ من النار، وعن عبيد المليكي –وكانت له صحبة- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا أهل القرآن لا تتوسدوا القرآن واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار وافشوه وتغنوه وتدبروا ما فيه لعلكم تفلحون ولا تعجلوا هرابه فإن له ثوابا ) رواه البيهقي في الشعب، وعن سهل بن سعد الساعدي قال : بينا نحن نقرأ إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم الأخيار وفيكم الأحمر والأسود والأبيض اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي أقوام يقرأونه يقيمون حروفه كما يقام السهم ولا يجاوز تراقيهم يتعجلون أجره ولا يتأجلونه )١٠.

١ سورة المزمل، الآية: ٢٠..
٢ أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في صلاة الليل (١٣٤٠)..
٣ سورة المزمل، الآية: ٢٠..
٤ سورة المزمل، الآية: ٢٠..
٥ سورة الأحزاب، الآية: ٢١..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل القرآن (٢٩١٤)، وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: كيف يستحب الترتيل في القراءة (١٤٦٣)..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: مد القراءة (٥٠٤٦)..
٨ أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء كيف كان قراءة النبي صلى الله عليه وسلم (٢٩٢٣)، وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: كيف يستحب الترتيل في القراءة (١٤٦٥)، وأخرجه النسائي في كتاب: الافتتاح، باب: تزيين القرآن بالصوت (١٠١٦)..
٩ أخرجه البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: من لم يتفن بالقرآن (٥٠٢٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب تحسين الصوت بالقرآن (٧٩٢)..
١٠ رواه أحمد والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان. انظر: كنز العمال (٢٩٠٨١)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير