ﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

- الترتيل : هما بمعنى التجويد والتمهل في القراءة. وجاءت الكلمة في سورة الفرقان بمعنى تنزيل القرآن مفرقاً قسماً بعد قسم.
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ١ ( ١ ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا( ٢ ) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا( ٣ ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٢ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ( ٤ ) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا( ٥ ) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ ٣ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا ٤ وَأَقْوَمُ قِيلًا ٥ ( ٦ ) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ٦ ( ٧ ) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ ٧ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا( ٨ ) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا( ٩ ) [ ١- ٩ ].
في هذه الآيات أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بتخصيص قسم كبير من الليل للتهجد والخشوع والعبادة وتلاوة القرآن، لأنه يتمكن فيه من تفريغ القلب وتصفية النفس والذهن والسداد في القول أكثر من النهار، بسبب ما في النهار من شواغل كثيرة. وأمر له كذلك بالاستعداد لما سوف يلقى عليه من المهام العظمى والأعباء الثقيلة. وباتخاذ الله وحده وكيلاً ومعتمداً له وهو الذي لا إله إلاّ هو ربّ المشرق والمغرب.
وقد جاء في بعض الروايات١ أن هذه الآيات أول ما نزل من القرآن، كما جاء في بعضها٢ أنها نزلت حينما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غار حراء بعد نزول الوحي عليه لأول مرة وقلبه يرجف فقال لأهله :" زملوني ". ومضمون الآيات يجعل الرواية الثانية أقوى وهو ما عليه جمهور المفسرين. وهذه الروايات تعني والحالة هذه أن هذه الآيات نزلت وحدها ؛ لأن الآيات التالية لها احتوت مشاهد ومواقف لا يمكن أن تقع إلا بعد أن يكون قد نزل جملة من القرآن وسار النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة شوطا غير يسير. وفي هذه الحالة يكون ترتيب السورة كثالثة السور نزولاً بسبب ذلك.
على أن ما بين هذه الآيات والآيات التالية لها من انسجام وتوازن قافية وعطف ما بعدها عليها وما فيها من حكاية لموقف المكذبين، وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يدل على أنها ليست منفصلة عما بعدها، وأنها جاءت كمطلع تمهيدي له فيه تثبيت وإعداد. وإذا صح هذا فإن أولية الآيات وبالتالي فإن ترتيب السورة لا يكون صحيحاً.
والآيات على كل حال مما نزل مبكراً جداً، ويصح أن يقال والحالة هذه : إن ما احتوته من أوامر بشأن قيام الليل وترتيل القرآن والتبتل إلى الله فيه كان خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم بالدرجة الأولى بحسب إعداده للمهمة العظمى التي اصطفاه الله لها. ولعل الضمير المفرد المخاطب يقوم قرينة على ذلك. ولا بد من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قام بما أمر به أحسن قيام وهو ما تواترت فيه الآثار٣.
والناقد البصير يقرأ والحالة هذه في هذه الآيات صفحة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم الروحية وسيرته التعبدية واستغراقه في الله في الخلوات وهدأة الليل في معظمه، ويلمس ما كان لهذا من أثر في صفاء نفسه وقوة روحه. ولاسيما إذا تذكر ما كان من مثل هذه الخلوات والاعتكافات الروحية قبل بعثته صلى الله عليه وسلم على ما جاء في حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها الذي أوردناه في تفسير العلق، حيث جاء فيه فيما جاء :" ثم حبب إ ليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد "، وكان ذلك من دون ريب أثر في استعداده لتلقي وحي ربه. وكان من أسباب اصطفاء الله له لتلك المهمة.
وقد روي٤ أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولين السابقين ما لبثوا أن اقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك حتى صارت تنتفخ أقدامهم من قيام الليل والوقوف في الصلاة، وكان ذلك مما يزيدهم قوة وإيماناً وصفاء نفس وصلابة أمام المناوئين.
ولقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري والترمذي والنسائي عن المغيرة قال :" إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له فيقول : أفلا أكون عبداً شكوراً " وفي رواية الترمذي :" حتى انتفخت قدماه فقيل له : تتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : أفلا أكون عبداً شكوراً ". وفي سورة الذاريات المكية آيات تصدق ما كان عليه المؤمنون الأولون من ذلك وهي : إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ( ١٦ ) كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ( ١٧ ) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( ١٨ ) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ( ١٩ ) . ولقد أكد على ذلك في آية مكية أخرى في سورة الإسراء جاء فيها : أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا( ٧٨ ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا( ٧٩ ) . ولقد استمر النبي صلى الله عليه وسلم على هذا في العهد المدني أيضا على ما تفنده الآية الأخيرة من السورة التي هي آية مدنية بإجماع الروايات وبما يدل عليه نصها ؛ حيث شاءت حكمة الله التخفيف عن المسلمين فيها على ما سوف نشرحه بعد مما هو أثر من آثار الأمر القرآني الوارد في الآيات.
ولقد رويت أحاديث عديدة في فضل قيام الليل والصلاة والقراءة فيه أوردنا طائفة منها في سياق تفسير سورة العلق. وهي على ما هو المتبادر تعكس ما كان من الأثر القرآني للنبي صلى الله عليه وسلم في نفسه، ثم ما كان من قصده في حث المسلمين على قيام الليل في مختلف الأزمنة والأمكنة لما في ذلك من تربية روحية وخلقية جليلة. والآية المدنية التي ألحقت بآخر هذه السورة لا تنسخ قيام الليل وإنما تخفف وبخاصة على أصحاب الأعذار على ما هو المتبادر منها والله تعالى أعلم.
والآية الأخيرة تنطوي على دعم للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية إعداده واستعداده. فالله هو رب كل الكون مشرقه ومغربه. وليس من إله غيره وعلى النبي أن يجعل اعتماده عليه وحده. فهو الكفيل بإنجاحه في مهمته، وفي كل هذا تثبت وتطمين وبث قوة وروح.
وإلى هذا، فإن فيها لأول مرة إعلاناً لوحدة الله وشمول ربوبيته، ودعوة إلى جعله وحده وكيلاً ومعتمداً في محيط اتخذ أهله مع الله شركاء وأنداداً، وجعلوا لهم من دونه أولياء وشفعاء ونصراء. واستكبر زعماؤه حتى كاد الناس يتخذون منهم أرباباً من دون الله. وهكذا تسجل هذه الآية أول جملة قرآنية على الشرك وعبادة غير الله والدعاء لغير الله والاتجاه لغير الله، وأول دعوة قرآنية إلى جعل الله وحده المتجه والوكيل والمعتمد، وتخليص النفس من أي سيطرة وخضوع لغيره، وهذا هو أساس الإسلام وجوهر دعوته.
تعليق على مدى تعبير
ورتل القرآن ترتيلا
وما روي في صدد أدب تلاوة القرآن
لقد رويت أحاديث وقيلت أقوال عديدة في صدد أدب تلاوة القرآن في سياق تفسير جملة ورتل القرآن ترتيلا من ذلك حديث رواه البخاري وأبو داود جاء فيه : " أن أنس سئل كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إنها كانت مداً، ثم قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم يمدّ ببسم الله ويمد بالرحمن ويمدّ بالرحيم " ١ وحديث رواه الترمذي عن أم سلمة قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقول : الحمد لله رب العالمين ثم يقف، الرحمن الرحيم ثم يقف، وكان يقرأ ملك يوم الدين " ٢. وحديث رواه البخاري والترمذي عن أبي موسى : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود " ٣. وحديث رواه البخاري وأبو داود عن عبد الله بن مغفّل قال : " قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح في مسير له على راحلته سورة الفتح فرجَّع في قراءته. قال معاوية لولا خوفي من اجتماع الناس علي لحكيت لكم قراءته ". وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنّى بالقرآن يجهر به " ٤. وحديث رواه البخاري وأبو داود عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " زيّنوا القرآن بأصواتكم. ليس منّا من لم يتغن بالقرآن " ٥ وقد علق مؤلف التاج على الحديث الأخير بقوله شارحاً إن تحسين الصوت بالقرآن يزيد في بهائه وجلاله ويصل بمواعظه إلى أعماق القلوب مع مراعاة علم التجويد فإن زاد القارئ في المد والغن أو تركهما كان مكروها في قول وحراماً وأثم القارئ ووجب على السامع الإنكار.
ولقد روى الطبري في سياق شرح العبارة عن مجاهد أن معناها ( ترسل فيه ترسلاً ) وعن قتادة ( بينه بياناً ) وقال النسفي : إن معناها وجوب القراءة بتأنّ وتثبت وإشباع الحركات. وروى البغوي عن ابن عباس أنها بمعنى : " اقرأه على هيئتك ثلاث آيات أو أربعا أو خمسا ". وروي عن ابن مسعود أنه قال في شرحها : " لا تنثروه نثر الدقل - الرمل- ولا تهذوه هذّ الشعر. قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة ". ويعني بالجملة الأخيرة عدم السرد السريع.
وعلى ذلك يمكن أن يقال : إن من أدب تلاوة القرآن وترتيله تلاوته بتأنّ وتثبت وتبيين وأداء وعظي وخاشع نافذ إلى العقول والقلوب وحسن إخراج الحروف ومراعاة علم التجويد. وإنه لا بأس في ترجيعه بصوت حسن إذا لم يزد عن الحد الذي يخرجه إلى ما لا يستحب ولا ينسجم مع قدسيته من أساليب الغناء.
تعليق على كلمة القرآن
وكلمة " القرآن " ترد هنا لأول مرة، وهي مصدر القراءة. وتعني المقروء أيضا، ومع أنها صارت علما على جميع محتويات المصحف منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فإنها كانت تطلق على ما نزل من القرآن قبل أن يتم تمامه أيضا على ما تدل عليه آية سورة النمل هذه : إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون( ٧٦ ) ، وآية سورة الأنعام هذه : وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ( ١٩ ). ومثل آية سورة طه هذه : طه( ١ ) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى( ٢ ) وآية سورة البقرة هذه : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان( ١٨٥ ) .
وإلى هذا فإنها كانت تعني القسم الذي يحتوي مبادئ الدعوة ومؤيداتها دون حكاية مواقف تكذيب الكفار وحجاجهم والرد عليهم على ما تدل عليه آية سورة الإسراء هذه : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا( ٨٢ ) ، ومثل آيات سورة يونس هذه : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ( ١٥ ) قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ( ١٦ ) ، ومثل آية سورة الفرقان هذه : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا( ٣٢ ) ، ومثل آية سورة فصلت هذه : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ( ٢٦ ) ومثل آية سورة الحشر هذه : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون( ٢١ ) ، وآية سورة إبراهيم هذه : الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد( ١ ) .
وواضح من آيات يونس /١٥- ١٦، والفرقان ٣٢ وفصلت/ ٢٦ وأمثالها الكثيرة التي حكت أقوال الكفار عن القرآن أنهم كانوا يعنون بالقرآن ما فيه دعوة إلى الله وحده وحملة على شركهم وتسفيه لعقولهم ومخالفة لتقاليدهم وعقائدهم، وما فيه من المبادئ الإيمانية والاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والأخلاقية التي رأوا فيها بدعة ورأوها تهدد مراكزهم ومصالحهم. وعلى أي حال لا يدخل فيما كانوا يعنونه من الكلمة حكاية أقوالهم والرد عليها، وهذا شغل جزءاً كبيراً من القرآن المكي. كذلك فإن ذلك هو الذي عنته على ما هو المتبادر آيات الأنعام / ١٩ والبقرة /١٨٥ والإسراء /٨٢ والحشر /٢١ وإبراهيم /١ وأمثالها الكثيرة جداً.

١ - التاج، ج ٤ ص ٨- ٩..
٢ -المصدر السابق، ص ٨- ٩..
٣ - المصدر نفسه..
٤ -المصدر نفسه..
٥ - المصدر نفسه..

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير