ﭝﭞﭟ

المعنى الجملي : روي " أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في المسجد يصلي والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، وهو يقرأ : حم ( ١ ) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ( ٢ ) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير [ غافر : ١-٣ ] فلما فطن النبي صلى الله عليه وسلم إلى استماعه أعاد القراءة، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال : والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش : صبأ والله الوليد، ولتصبون قريش كلهم، فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه، فانطلق حتى جلس إلى جنب الوليد حزينا، فقال الوليد : مالي أراك حزينا بابن أخي ؟ فقال : وما يمنعني أن أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنك، ويزعمون أنك زينت كلام محمد، وأنك تدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهم ؟ فغضب الوليد وقال : ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالا وولدا ؟ وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام ؟ ثم أتى مجلس قومه من أبي جهل فقال لهم : تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق قط ؟ قالوا : اللهم لا، قال : تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه قط تكهن ؟ قالوا : اللهم لا، قال : تزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه ينطق بشعر قط ؟ قالوا : اللهم لا، قال : تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب ؟ قالوا : اللهم لا ( وكان رسول الله يسمى الأمين قبل النبوة لصدقه ) ثم قالوا :( فما هو ؟ قال :) ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فهو ساحر وما يقوله سحر يأثره عن مسيلمة وأهل بابل، فارتج النادي فرحا، وتفرقوا معجبين بقوله، متعجبين منه ؛ فنزلت هذه الآيات ".
وقد كان الوليد يسمى الوحيد، لأنه وحيد في قومه، فماله كثير فيه الزرع والصّرع والتجارة، وكان له بين مكة والطائف إبل وخيل ونَعَم، وعبيد وجوار، وله عشرة أبناء يشهدون المحافل والمجامع، أسلم منهم ثلاثة : خالد وهشام وعمارة، وقد بسط الله له الرزق وطال عمره مع الجاه العريض والرياسة في قومه، وكان يسمى ريحانة قريش.
شرح المفردات : عبس : أي قطب ما بين عينيه، بسر : أي كلح وجهه ؛ كما قال توبة بن الحُمَيرِ.

وقد رابني منها صدود رأيته وإعراضها عن حاجتي وبسورُها
لواحة : من لوحته الشمس : إذا سودت ظاهره وأطرافه، قال :
تقول ما لا حك يا مسافر يابنة عمي لا حني الهواجر.
ثم عبس أي ثم قطب وجهه حين ضاقت به الحيل ولم يدر ما يقول.
ثم أكد ما قبله فقال :
وبسر أي كلح واسودّ وجهه، قال سعد بن عبادة : لما أسلمت راغمتني أمي، فكانت تلقاني مرة بالبشر، ومرة بالبسر.
وفي هذا إيماء إلى أنه كان مصدقا بقلبه صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وكان ينكره، عنادا، فإنه لو كان يعتقد صدق ما يقول لفرح باستنباط ما استنبط، وإدراك ما أدرك، وما ظهرت العبوسة على وجهه.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير