لمَن شاء منكم أن يتقدَّم أو يتأخّر : بدل من " البشر "، بإعادة الجار، أي : نذيراً لمَن شاء منكم أن يسبق إلى الخير أو يتأخر عنه، وعن الزجاج : أن يتقدّم إلى ما أمر به، ويتأخر عما نهى عنه، وقيل :" لمَن شاء " : خبر، و " أن يتقدّم " : مبتدأ، فيكون كقوله تعالى : فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : ٢٩ ]. قال المحَشي : وحاصله : أنّ العبد متمكن من كسب الخير وضده، ولذلك كلّفه ؛ لأنه علّق ذلك على مشيئته، وليس حجة ؛ لكونه مستقلاً غير مجبور ؛ لأنَّ مشيئته مُعلقة على مشيئة الله،
وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ [ الإنسان : ٣٠ ] كَلاَّ إِنَهُ تَذْكِرَةُ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ [ المدثر : ٥٤-٥٦ ]، وما نبهت عليه من التمكُّن والاختيار في الظاهر هو فائدة بدل " لمَن شاء " من البشر. ه.
ثم حذَّر من سَقَر الحظوظ، والسقوط في مهاوي اللحوظ، وأقسم أنها من الدواهي الكُبَر لِمن ابتُلي بها، حتى سقط في الحضيض الأسفل من الناس، فمَن شاء فليتقدّم إلينا بالهروب منها، ومَن شاء فليتأخر بالسقوط فيها، والغرق في بحرها. والعياذ بالله.
الإشارة : من أسمائه تعالى الجليل والجميل، فوَكَّل بتنفيذ اسمه الجليل جنوداً يَجرُّون الناسَ إلى أسباب جلاله، من الكفر والعصيان، ووكَّل بتنفيذ اسمه الجميل جنوداً يَجرّون الناسَ إلى أسباب جماله من الهدى والطاعة، وما جعل ذلك إلاّ اختباراً وابتلاءً، لمن يُدبر عنه أو يُقبل عليه، وما جعلنا أصحابَ نار القطيعة إلاّ ملائكة، وهم حُراس الحضرة يملكون النفس، ويقذفونها في هاوية الهوى، وما جعلنا عدتهم تسعة عشر حجاباً كما تقدّم، إلاّ فتنة لأهل الغفلة، الكافرين بوجود الخصوصية، اختباراً لمَن يقف معها، فتحجبه عن ربه، ولمَن يتخلّص منها، فينفذ إلى ربه، ليستيقن أهل العلم بالله حين يطَّهروا منها، ويزداد السائرون إيماناً بمجاهدتهم في التخلُّص منها، ولا يبقى في القلب ريب ولا وَهْم، وليقول الذين في قلوبهم مرض من ضعف اليقين : ماذا أراد الله بخلق هذه الأمراض في قلوب العباد ؟ فيُقال : أراد بذلك إضلال قوم عن حضرته، بالوقوف مع تلك الحُجب، وهداية قوم، بالنفوذ عنها، وما يعلم جنود ربك القاطعة عنه بقهره تعالى، والموصلة إليه برحمته، إلا هو. وقال الورتجبي : جنوده : عظمته وكبرياؤه وسلطانه وقهره، الذي صدرت منه جنود السموات والأرض، وله جنود قلوب العارفين، وأرواح الموحِّدين، وأنفاس المحبين، التي يستهلك بها كل جبّار عنيد، وكل قهّار عتيد. قيل : قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : إنكم لا تقفون على المخلوقات، فكيف تقفون على الأسامي والصفات ؟ !. هـ.
ثم حذَّر من سَقَر الحظوظ، والسقوط في مهاوي اللحوظ، وأقسم أنها من الدواهي الكُبَر لِمن ابتُلي بها، حتى سقط في الحضيض الأسفل من الناس، فمَن شاء فليتقدّم إلينا بالهروب منها، ومَن شاء فليتأخر بالسقوط فيها، والغرق في بحرها. والعياذ بالله.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي