ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

محمد فأنذر حال كونك نذيرًا للبشر. وقال الفراء: هو مصدر بمعنى الإنذار، منصوب بفعل مقدر. وقيل: إنه منتصب على التمييز من نسبة إحدى الكبر إلى اسم إنّ؛ لأنّ معناه: أنها من معظمات الدواهي التي خلقها الله للتعذيب، فيصح أن ينتصب منه التمييز، كما تقول: هي إحدى النساء عفافًا. والنذير (١) مصدر بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، والمعنى: لإحدى الكبر إنذارا: أي: من جهة الإنذار أول مما دلت عليه الجملة؛ أي: معنى قوله: إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ؛ أي: كبرت منذرة، وحذف التاء مع أن فعيلًا بمعنى فاعل، يفرق فيه بين المذكر والمؤنث لكون ضمير إِنَّهَا في تأويل العذاب أو لكون النذير بمعنى ذات إنذار على معنى النسب كقولهم: امرأة طاهر؛ أي: ذات طهارة. وقيل: إنّه مفعول لأجله؛ أي: وإنها لاحدى الكبر لأجل إنذار البشر. وقرأ الجمهور بالنصب. وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو نذير أو هي نذير.
ومعنى الآيات: أقسم بالقمر الوضّاح والليل إذا ولى، وذهب والصبح إذا أشرق إنّ جهنم لإحدى البلايا الكبار، والدواهي العظام لإنذار البشر.
٣٧ - ثم بين أصحاب النذارة، فقال لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) بدل من قوله: لِلْبَشَرِ بإعادة الجار، و أَنْ يَتَقَدَّمَ مفعول شَاءَ، و مِنْكُمْ حال مِنْ مَنْ الموصولة؛ أي: نذيرًا لمن شاء منكم أن يسبق إلى الخير والجنة والطاعة، فيهديه الله. أو لم يشأ ذلك، ويتأخّر بالمعصية، فيضله. وفيه إشارة إلى أنَّ لكسب العبد دخلًا في حصول المرحومية والمحروميّة. وقال السدي: لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر إلى الجنة. أو المعنى (٢): لمن شاء أن يقبل النذارة أو يتولى عنها، ويردها. ونحو الآية قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥).
وخلاصة ما سلف: ها أنتم أولاء قد علمتم سقر وعذابها وملائكتها، فمن تقدم إلى الخير أطلقناه، ومن تأخر عنه سلكناه فيها. قال ابن عباس: هذا تهديد لاعلام بأنّ من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد - ﷺ - جوزي بثواب لا ينقطع أبدًا، ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمدًا - ﷺ - عوقب عقابًا لا ينقطع أبدًا. وقال الحسن:

(١) روح البيان.
(٢) المراغي.

صفحة رقم 409

حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي

راجعه

هاشم محمد علي مهدي

الناشر دار طوق النجاة، بيروت - لبنان
سنة النشر 1421
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية