ﯚﯛﯜ

قوله : وَلاَ تَمْنُن ، العامة : على فك الإدغام والحسن وأبو السمال١ والأشهب العقيلي : بالإدغام.
وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في «المائدة »، عند قوله تعالى : مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ [ المائدة : ٥٤ ].
والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل : معناه «ولا تضعف » من قولهم : حبل متين، أي : ضعيف.
قوله : تَسْتَكْثِرُ ، العامة على رفعه، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه في موضع الحال، أي : لا تمنن مستكثراً ما أعطيت.
وقيل : معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت.
الثاني : على حذف «أن » يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت «أن » ارتفع الفعل، كقوله :[ الطويل ]
٤٩٥٢ - ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى ***. . . ٢
في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ.
ولم يبين ما محل «أن » وما في خبرها. وفيه وجهان :
أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها ؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره : ولا تمنن لأن تستكثر.
والثاني : أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي : لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي.
وقد تقدم أن «تَمْنُنْ » بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد.
إلا إنَّ أبا حيان قال٣ - بعد كلام الزمخشريِّ - :«وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى ».
والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً : فقد قرأ الحسن والأعمش٤ :«تَسْتكثِرَ » أيضاً على إضمار «أن »، كقولهم :«مُرْهُ يحفرها ».
وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله٥ :«ولا تمنن أن تستكثر ».
وقرأ الحسن٦ - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله : يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ ف «يُضَاعَفُ » بدلاً من «يَلْقَ » ؛ وكقوله :[ الطويل ]
٤٩٥٣ - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا*** تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا٧
ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى [ البقرة : ٢٦٤ ].
الثاني : أن يشبه «ثرو » بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري.
يعني : أنه يأخذ من مجموع «تستكثر » [ ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال : أن يشبه ثرو، فأخذ بعض «تستكثر » ] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله : وَلِرَبِّكَ فاصبر ؛ وهذا كما قالوا في قول امرئ القيس :[ السريع ]
٤٩٥٤ - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ*** إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ٨
بتسكين «أشْرَبْ » - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ ك «عضد » ثم سكن.
وقد تقدم في سورة «يوسف » في قراءة قُنبل :«من يَتّقي »، بثبوت الياء، أن «مَنْ » موصولة، فاعترض بجزم «يَصْبِر » ؟.
فأجيب بأنه شبه ب «رف »، أخذوا الباء والراء من «يَصْبِر » والفاء من «فإنَّه »، وهذه نظير تيك سواء.
الوجه الثالث : أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً.
يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ.
قال أبو حيان٩ :«وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة ».

فصل في تعلق الآية بما قبلها


في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء : إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره - : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ، أي : لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه.
قال الحسن - رحمه الله - : بحسناتك، فتستكثرها١٠.
وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ : ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها١١.
وقيل : لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى : وَلِرَبِّكَ فاصبر .
وقيل : لا تمنن عليهم بنبوتك، أي : لتستكثر، أي : لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك.
وقال مجاهدٌ : لا تضعف أن تستكثر من الخير١٢، من قولك : حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود : ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع : لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك١٣.
وقال ابن كيسان : لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منة من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته.
وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل : دعوت فلم يستجب لي.
وقيل : لا تفعل الخير لترائي به الناس.
فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صلى الله عليه وسلم أو يتناول الأمة ؟.
فالجوابُ : أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة.
وقيل : المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك.
فإن قيل : هل هذا نهي تحريم أو تنزيه ؟
فالجواب : أن ظاهر النهي التحريم.

فصل في المقصود من الآية


قال القفال١٤ : يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى تَسْتَكْثِرُ ، أي : طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال : السبب فيه أن يصير عطاء النبي صلى الله عليه وسلم خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى.
قال القرطبي - رحمه الله١٥ - :«أظهر الأقوال قول ابن عباس " لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال " يقال : مننت فلاناً كذا، أي : أعطيته، ويقال للعطية : المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال :«مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ » وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث ".
١ ينظر: الكشاف (٤/٦٤٦)، والمحرر الوجيز ٥/٣٩٣، والبحر المحيط ٨/٣٦٤، والدر المصون ٦/٤١٢..
٢ تقدم..
٣ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٧٢..
٤ ينظر: الكشاف ٤/٦٤٦، والمحرر الوجيز ٥/٣٩٣، والبحر المحيط ٨/٣٦٤، والدر المصون ٦/٤١٢..
٥ ينظر: السابق..
٦ ينظر السابق..
٧ تقدم..
٨ تقدم..
٩ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٧٢..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٠٢)..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٠١) عن ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم.
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٣٤) وقال رواه الطبراني وفيه عطية العوفي وهو ضعيف.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٥٢) عن عكرمة وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر..

١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٠٣) عن مجاهد..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٠٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٥٢) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر..
١٤ ينظر الفخر الرازي ٣٠/١٧٢..
١٥ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٩/٤٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية