وقوله تعالى : ولا تمنن تستكثر مرفوع منصوب المحل على الحال أي : لا تعط مستكثراً رائياً لما تعطيه كثيراً واجعله خالصاً لله تعالى ولا تطلب عوضاً أصلاً، ومعنى تستكثر أي : طالباً للكثرة كارهاً أن ينقص المال بسبب العطاء، فيكون الاستكثار هنا عبارة عن طلب العوض كيف كان ليكون عطاؤه صلى الله عليه وسلم خالياً عن انتظار العوض والتفات النفس إليه. وقيل : لا تعط شيئاً طالباً للكثير نهى عن الاستقرار وهو أن يهب شيئاً وهو يطمع أن يعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب وهذا جائز ومنه الحديث :«المستكثر يثاب من هبته » وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون نهياً خاصاً برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر الآية ؛ لأنّ الله تعالى اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق والثاني : أنه نهي تنزيه لا تحريم له ولأمّته. وقيل : إنه تعالى لما أمره بأربعة أشياء : إنذار القوم وتكبير الرب وتطهير الثياب وهجر الرجز.
ثم قال : ولا تمنن تستكثر أي : لا تمنن على ربك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما تفعله ولربك فاصبر أي : على الأوامر والنواهي متقرّباً بذلك إليه غير ممتن به عليه. وقال الحسن : بحسناتك تستكثرها. وقال ابن عباس : ولا تعط عطية ملتمساً بها أفضل منها. وقيل : لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنك إنما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى فلا منة لك به عليهم.
ولهذا قال تعالى : ولربك فاصبر وقيل : لا تمنن عليهم بنبوّتك لتستكثر أي : لا تأخذ منهم أجراً على ذلك تستكثر به مالك، وقال مجاهد والربيع : لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله تعالى به عليك. وقال ابن كيسان : لا تستكثر عملك فتراه من نفسك إنما عملك منة من الله تعالى عليك إذ جعل لك الله تعالى سبيلاً إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم : إذا أعطيت عطية فأعطها لربك لا تقل : دعوت فلم يستجب لي. وقيل : لا تفعل الخير لترائي به الناس.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني