المعنى الجملي : أقسم تعالى بعظمة القيامة، وبالنفس الطموحة إلى الرقي، الجانحة إلى العلو، التي لا تصل إلى مرتبة إلا طلبت ما فوقها، ولا إلى حال إلا أحبت ما تلاها-إن هناك حالا أخرى للنفس تنال فيها رغائبها، في عالم أكمل من هذا العالم، عالم السعادة الروحية للمطيعين، وعالم الشقاء للمجاحدين المعاندين.
وهذا القسم وأمثاله لم يطرق آذان العرب من قبل، فهم كانوا يقسمون بالأب والعمر والكعبة ونحو ذلك.
روي أن عدي بن أبي ربيعة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم القيامة متى يكون وما حاله وأمره فأخبره به، فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن بك، أو يجمع الله هذه العظام ؟ فنزلت هذه الآيات، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول :( اللهم اكفني شر جاري السوء ).
ثم بين أن أعظم شاهد على المرء نفسه، فهي نعم الشاهد عليه فقال :
بل الإنسان على نفسه بصيرة* ولو ألقى معاذيره بل الإنسان حجة بينة على نفسه، فلا يحتاج إلى أن ينبئه غيره، لأن نفسه شاهدة على ما فعل، فسمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه شاهدة عليه، وسيحاسب عليه مهما أتى بالمعاذير وجادل عنها كما قال : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [ الإسراء : ١٤ ].
وقال الفراء في الآية : بل الإنسان على نفسه عين بصيرة، وأنشد :كأن على ذي العقل عينا بصيــرة بمجلســه أو منظــر هــو نــاظــــره يحاذر حتى يحسب الناس كلهـــم من الخوف لا يخفى عليهم سرائره
تفسير المراغي
المراغي