ﯿﰀﰁﰂ ﰄﰅﰆﰇ

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ حِفْظُ التَّنْزِيلِ وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ قَبْلَ فَرَاغِ جِبْرِيلَ مَخَافَةَ أَنْ لَا يَحْفَظَ، فَأَنْزَلَ تَعَالَى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
أَيْ بِالْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا الْإِضْمَارُ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ، كَمَا أُضْمِرَ فِي قَوْلُهُ: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [الْقَدْرِ: ١] وَنَظِيرُ قَوْلُهُ: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه: ١١٤] وَقَوْلِهِ: لِتَعْجَلَ بِهِ
أَيْ لتعجل بأخذه.
أما قوله تعالى:
[سورة القيامة (٧٥) : آية ١٧]
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)
فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: كَلِمَةُ عَلَى لِلْوُجُوبِ فَقَوْلُهُ: إِنَّ عَلَيْنا
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَالْوَاجِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فَذَلِكَ الْوُجُوبُ بِحُكْمِ الْوَعْدِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ: فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَعْثَةِ لَا يَتِمُّ إِلَّا إِذَا كَانَ الْوَحْيُ مَحْفُوظًا مُبَرَّأً عَنِ النِّسْيَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ واجبا نظرا إلى الحكمة.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ
مَعْنَاهُ عَلَيْنَا جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ وَحِفْظِكَ، وَقَوْلُهُ: وَقُرْآنَهُ
فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِرَاءَةُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا: أن يكون المزاد جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، سَيُعِيدُهُ عَلَيْكَ حَتَّى تَحْفَظَهُ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِنَّا سَنُقْرِئُكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى أَنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لَا تَنْسَاهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الْأَعْلَى: ٦] فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْقَارِئُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي الْقَارِئُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْقُرْآنِ الْجَمْعَ وَالتَّأْلِيفَ، مِنْ قولهم: ما قرأت الناقة سلاقط، أَيْ مَا جَمَعَتْ، وَبِنْتُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ الْقُرْءِ، فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الْجَمْعُ وَالْقُرْآنُ وَاحِدًا فَيَلْزَمُ التَّكْرَارُ، قُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْجَمْعِ جَمْعَهُ في نفسه وجوده الْخَارِجِيَّ، وَمِنَ الْقُرْآنِ جَمْعَهُ فِي ذِهْنِهِ وَحِفْظَهُ، وحينئذ يندفع التكرار.
[سورة القيامة (٧٥) : آية ١٨]
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: جَعَلَ قِرَاءَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قِرَاءَتَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الشَّرَفِ الْعَظِيمِ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَنَظِيرُهُ فِي حَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النِّسَاءِ: ٨٠].
المسألة الثالثة: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ فَإِذَا قَرَأَهُ جِبْرِيلُ فاتبع وَفِيهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ: قَالَ قَتَادَةُ: فَاتَّبِعْ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ وَالثَّانِي: فَاتَّبِعْ قِرَاءَتَهُ، أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُكَ مُقَارِنَةً لِقِرَاءَةِ جِبْرِيلَ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَسْكُتَ حَتَّى يُتِمَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْقِرَاءَةَ، فَإِذَا سَكَتَ جِبْرِيلُ فَخُذْ أَنْتَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ أَنْ يَدَعَ الْقِرَاءَةَ وَيَسْتَمِعَ مِنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ مَا فِيهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَطْرَقَ واستمع فإذا ذهب قرأه.

صفحة رقم 728

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية