سورة القيامة
في السورة توكيد لمجيء يوم القيامة وبرهنة على قدرة الله على بعث الناس.
وتنبيه لهم بأن أعمالهم محصاة. وبيان لمصائرهم حسب سلوكهم. وتنديد باستغراق من يستغرق في الحياة ويهمل واجباته نحو الله والناس. وفيها آيات تتصل بظروف الوحي القرآني وتحتوي دلالة خطيرة في سوره. وأسلوب آياتها يمكن أن يعتبر عرضا عاما وإنذارا وتبشيرا وتنديدا عاما أيضا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١ الى ٦]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦)
. (١) النفس اللوامة: قيل إنها إشارة إلى ما طبع الإنسان عليه من التلوم والندم على ما يفوته، أو إلى ما طبع بعض الناس عليه من التلوم على كل شيء.
وقيل إنها نفس المؤمن الذي يظل يلوم نفسه مهما اجتهد في العمل الصالح خشية التقصير. وقيل إنها إشارة إلى ما يستشعر به الخاسر يوم القيامة من الندم والتلوم على ما فاته «١». ولعل المعنى الأخير أوجه لأنه متسق مع ذكر القيامة في الآية السابقة.
(٢) البنان: الظاهر من باطن الأصابع. وأوجه التأويلات لآية بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ أنها جواب على الجاحد الذي يحسب أن الله لن يجمع عظامه على ما جاء في الآية السابقة لها، بمعنى أن الله عزّ وجلّ الذي قدر على تكوين البنان من عظام دقيقة قادر على جمع عظام الإنسان مرة أخرى «١».
(٣) بل يريد الإنسان ليفجر أمامه: بمعنى أن الإنسان الجاحد يرغب في الاستمرار على الفجور فينكر الآخرة ولا يخشى عواقبها.
في الآيات قسم رباني مقدّر الجواب، وهو توكيد البعث والقيامة وتكذيب الإنسان فيما يظنه من عدم قدرة الله على جمع عظامه وتساؤله تساؤل المنكر الجاحد عن يوم القيامة الموعود. فالله الذي سوّى بنانه العجيب الصنع بعظامه الصغيرة وتكوينه الدقيق قادر على ذلك. وجحوده إنما هو بسبيل رغبته في الاستمرار فيما هو فيه من إثم وفجور دون أن يخشى العواقب الوخيمة.
وأسلوب القسم مما هو متكرر في القرآن، وقد سبق مثله في سورة التكوير وعلقنا عليه بما فيه الكفاية.
وقد قال بعض المفسرين إن المناسبة بين يوم القيامة وبين النفس اللوامة قد تكون فيما يظهر من الآثمين الجاحدين من ندم وحسرة وتلوم في ذلك اليوم. وفي القول وجاهة قد تدعمها آيات عديدة حكت ما سوف يكون من الجاحدين والمجرمين من ندم وحسرة يوم القيامة مثل آية سورة الأنعام هذه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) ومثل آية سورة سبأ هذه: وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)
ولقد روى البغوي أن الآيات نزلت في عدي بن ربيعة الذي أتى إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فسأله عن القيامة فلما بيّن له أمرها قال له لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أو من بك. أو يجمع الله العظام؟.
والرواية محتملة، وفيها صورة لما كان يقع بين النبي صلّى الله عليه وسلّم والجاحدين من محاورات. وقد اقتضت حكمة التنزيل أن تحكى بأسلوب منسوب إلى الإنسان مطلقا لأن أكثرية الناس كانوا جاحدين إلّا أن مضمونه يدل على أن ذلك حكاية موقف الجاحد ليوم البعث والحساب فقط. أما المؤمن بذلك الذي يزعه إيمانه عن الفجور ويسوقه إلى العمل الصالح فهو خارج عن متناول التنديد الذي تضمنته.
وفي الفصل الأخير من السورة تأييد لذلك.
وواضح أن الآيات في تنديدها وتكذيبها وتوكيدها تستهدف بالإضافة إلى تقرير الحقيقة الإيمانية وهي البعث تنبيه السامعين الجاحدين إلى وجوب الارعواء والارتداع، لأن بعثهم وحسابهم حقيقة لا تتحمل ريبا. فوعد الله بذلك صادق واقع وهو قادر عليه.
تعليق على محاولة ربط البنان بفن بصمات الأصابع الحديث وعلى محاولة استخراج النظريات الفنية الحديثة من العبارات القرآنية بصورة عامة
وبمناسبة ورود كلمة البنان في الآيات نذكر أننا كنا قرأنا مقالا أراد كاتبه أن يجعل صلة بين اختصاص البنان بالذكر وبين ما ظهر حديثا من علم بصمات الأصابع وما صار له من خطورة في إثبات شخصيات الناس، وتمشيا مع الفكرة التي سادت بعض الناس من استخراج النظريات العلمية والفنية والكونية من الكلمات والآيات القرآنية للتدليل على صدق القرآن وإعجازه. ومعجزات الله المشار إليها فيه، وفي هذا في اعتقادنا تحميل لكلمات القرآن وآياته غير ما تتحمل وإخراج له من نطاق قدسية وغايته التي هي هداية البشر إلى أسباب سعادتهم ونجاتهم.
وفي كل كبيرة وصغيرة وجليلة ودقيقة من خلق الله وملكوته، وفي عالم الحياة والجماد من الدقة والإتقان ما يبعث الذهول في النفس ويملأها بالدهشة، وليس البنان وتكوينه إلّا نقطة من محيط عظيم، وعدم التشابه بعد ليس محصورا في أصابع اليد وبصماتها بل هو شامل لكل أعضاء الناس وأشكالهم وصورهم! بل ليس هو خاصا بالبشر وإنما هو شامل لمخلوقات الله عز وجل على اختلافها وكل ما هنالك أن الذهن البشري اهتدى إلى طريقة تسجيل البصمة للدلالة على الشخصية فانتشرت لأنها سهلة، واختصاص البنان بالذكر ليس بدعا في القرآن يستلزم استنتاج أمور خاصة منه فقد جرت حكمة التنزيل القرآني على اختصاص شؤون بالذكر دون شؤون، وأعمال دون أعمال، وأخلاق دون أخلاق في معرض العظة والتذكير والإنذار والتبشير دون أن يكون الشيء المختص بالذكر هو الأهم والأخطر دائما، وقد مرّ من ذلك أمثلة نبهنا إليها.
ويستشهد بعضهم للتدليل على هذا المذهب ببعض آيات القرآن ومنها آية سورة فصلت هذه: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) ومنها آيات سورة الذاريات هذه:
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وليس في الآيات ما يؤيد مذهبهم في تطبيق الآيات والإشارات القرآنية على ما يظهر من نواميس الكون والأنفس التي لم تكن معروفة. وهي تخاطب السامعين الجاحدين للرسالة النبوية وتنذرهم. والآية التي تلي آية سورة فصلت تنطوي على دليل حاسم على ذلك وهي: أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) وكذلك الأمر في الآيات التي تلت آيات سورة الذاريات.
وواضح من هذا أنه ليس من مانع من الاستشهاد بالعبارات القرآنية على ما في الكون من عظمة وإبداع ونواميس وعجائب ظاهرة وخفية أو مكتشفة حديثا. بل هذا واجب لأن حكمة التنزيل قد هدفت إلى التدليل على عظمة الخالق وشمول قدرته وإيجاب الاتجاه إليه وحده فيما استعملته من أساليب التنبيه والاسترخاء
والتنويه بما في الكون من عجائب وبدائع. على أن يبقى الأمر في نطاق هذه الأساليب التي وجهت إلى جميع الناس على اختلاف عقولهم ومداركهم والتي فيها الكفاية كل الكفاية لتحقيق تلك الحكمة ودون أن يخرج إلى نطاق التمحلات في التطبيقات الفنية التي كثيرا ما تؤدي إلى مأزق وليس من ورائها في الوقت نفسه طائل في صدد الهدف القرآني.
تعليق آخر على ما تفيده ظواهر الآيات من بعث الناس بأجسادهم
وظاهر الآية الرابعة أن الناس يبعثون في الحياة الأخرى بأجسامهم وما ركّبت عليه في الدنيا من عظام ولحم ودم وأعضاء بأعيانها. وهذه المسألة من المسائل التي يختلف فيها المؤمنون بالحياة الأخروية «١» حيث ينفي بعضهم بعث الناس بأعيان أجسامهم لأن هذه الأعيان تنحلّ وتدخل في بنيان أجسام أخرى بشرية وغير بشرية، ويظل هذا يتكرر بصورة مستمرة وقالوا بناء على ذلك إن البعث الأخروي وما يكون فيه من حساب ونعيم وعذاب هو روحاني أي إنه يقع على الأرواح التي هي وحدها التي تكسب وتستحق الجزاء حسب كسبها لا على الأجسام التي هي غلاف للروح، وقال آخرون: إن الناس يبعثون جسمانيا وإن ذلك في نطاق قدرة الله على كل حال، وإن هذا هو المؤيد باستمرار في مختلف آيات القرآن، وردّ بعضهم بأنه ليس من الضروري أن تبعث الأجسام بأعيانها لأنها ليست إلّا غلافا للروح الكاسبة المستحقة للنعيم والعذاب فمن الممكن أن يبعثها الله بأجسام جديدة لأن الروح المستحقة للنعيم والعذاب لا تشعر بهما إلّا بالإحساس الجسماني.
والذي يتبادر لنا بالنسبة للآية التي نحن في صددها أنها بسبيل المساجلة في أسلوب الإنكار وتعبير المنكرين. فقد أنكر كفار العرب الذين وجهت إليهم الدعوة والقرآن لأول مرة جمع العظام بعد الموت فردّت عليهم الآية بأسلوب مثل أسلوبهم
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة