ﮠﮡﮢﮣﮤﮥ ﮧﮨﮩﮪﮫ ﮭﮮﮯﮰﮱ ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

ذَلِكَ مِنْ مَفَاسِدَ جَسِيمَةٍ، لَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ أَنْ يُهْمِلَهُ مِثْلَ الْحَيَوَانِ فَيَجْعَلَ الصَّالِحِينَ كَالْمُفْسِدِينَ وَالطَّائِعِينَ لِرَبِّهِمْ كَالْمُجْرِمِينَ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ الْمُتَمَكِّنُ بِحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهِ الْمَصِيرَ، فَلَوْ أَهْمَلَهُ لَفَازَ أَهْلُ الْفَسَادِ فِي عَالَمِ الْكَسَادِ، وَلَمْ يُلَاقِ الصَّالِحُونَ مِنْ صَلَاحِهِمْ إِلَّا الْأَنْكَادَ، وَلَا يُنَاسِبُ حِكْمَةَ الْحَكِيمِ إِهْمَالُ النَّاسِ يَهِيمُونَ فِي كل وَادي، وَتَرْكُهُمْ مَضْرِبًا لِقَوْلِ الْمَثَلِ «فَإِنَّ الرِّيحَ لِلْعَادِي».
وَلِذَلِكَ قَالَ فِي جَانِبِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى وُقُوعِ الْبَعْثِ أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [الْقِيَامَة: ٣]، أَيْ لَا نُعِيدَ خَلْقَهُ وَنَبْعَثَهُ لِلْجَزَاءِ كَمَا أَبْلَغْنَاهُمْ، وَجَاءَ فِي جَانِبِ حِكْمَتِهِ بِمَا يُشَابِهُ الْأُسْلُوبَ السَّابِقَ فَقَالَ: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً مَعَ زِيَادَةِ فَائِدَةٍ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَيْ لَا يحْسب أَنه يُتْرَكَ غَيْرَ مَرْعِيٍّ بِالتَّكْلِيفِ كَمَا تُتْرَكُ الْإِبِلُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْمُجَازَاةَ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ السُّدَى الَّذِي لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى اهـ. وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْ يُتْرَكَ سُدىً كِنَايَةٌ عَنِ الْجَزَاءِ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَقْصُودٌ مِنْهُ الْجَزَاءُ فِي الْآخِرَة.
[٣٧- ٤٠]
[سُورَة الْقِيَامَة (٧٥) : الْآيَات ٣٧ إِلَى ٤٠]
أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)
اسْتِئْنَافٌ هُوَ عِلَّةٌ وَبَيَانٌ لِلْإِنْكَارِ الْمَسُوقِ لِلِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ [الْقِيَامَة: ٣٦] الَّذِي جعل تكريرا وتأييدا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ الْآيَةَ، أَيْ أَنَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ مَادَّةٍ ضَعِيفَةٍ وَتَدَرُّجَهُ فِي أَطْوَارِ كِيَانِهِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ عَلَى إِنْشَائِهِ إِنْشَاءً ثَانِيًا بَعْدَ تَفَرُّقِ أَجْزَائِهِ وَاضْمِحْلَالِهَا، فَيَتَّصِلُ مَعْنَى الْكَلَامِ هَكَذَا: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ وَيَعُدُّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرًا. أَلَمْ نَبْدَأْ خَلْقَهُ إِذْ كَوَّنَاهُ نُطْفَةً ثُمَّ تَطَوَّرَ خَلْقُهُ أَطْوَارًا فَمَاذَا يُعْجِزُنَا أَنْ نُعِيدَ خَلْقَهُ ثَانِيًا كَذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى:
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٤].
وَهَذِهِ الْجُمَلُ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى.
وَهَذَا الْبَيَانُ خَاصٌّ بِأَحَدِ مَعْنَيَيِ التَّرْكِ فِي الْآيَةِ وَهُوَ تَرْكُهُ دُونَ إِحْيَاءٍ وَأَكْتَفِي

صفحة رقم 366

بِبَيَانِ هَذَا عَنْ بَيَانِ الْمَعْنَى الْآخَرِ الَّذِي قَيَّدَهُ قَوْله: سُدىً، [الْقِيَامَة: ٣٦] أَيْ تَرْكُهُ بِدُونِ جَزَاءٍ عَلَى أَعْمَالِهِ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْإِحْيَاءِ أَنْ يُجَازَى عَلَى عَمَلِهِ. وَالْمَعْنَى: أَيَحْسَبُ أَنْ يُتْرَكَ فَانِيًا وَلَا تُجَدَّدَ حَيَاتُهُ.
وَوَقَعَ وَصْفُ سُدىً فِي خِلَالِ ذَلِكَ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى لُزُومِ بَعْثِ النَّاسِ مِنْ جَانِبِ الْحِكْمَةِ، وَانْتَقَلَ بَعْدَهُ إِلَى بَيَانِ إِمْكَانِ الْبَعْثِ مِنْ جَانِبِ الْمَادَّةِ، فَكَانَ وُقُوعُهُ إِدْمَاجًا.
فَالْإِنْسَانُ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ وَطُوِّرَ أَطْوَارًا حَتَّى صَارَ جَسَدًا حَيًّا تَامَّ الْخِلْقَةِ وَالْإِحْسَاسِ فَكَانَ بَعْضُهُ مِنْ صِنْفِ الذُّكُورِ وَبَعْضُهُ مِنْ صِنْفِ الْإِنَاثِ، فَالَّذِي قَدَرَ عَلَى هَذَا الْخَلْقِ الْبَدِيعِ لَا يُعْجِزُهُ إِعَادَةُ خَلْقِ كُلِّ وَاحِدٍ كَمَا خَلَقَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِحِكْمَةٍ دَقِيقَةٍ وَطَرِيقَةٍ أُخْرَى لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ.
وَالنُّطْفَةُ: الْقَلِيلُ مِنَ الْمَاءِ سُمِّيَ بِهَا مَاءُ التَّنَاسُلِ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِير معنى يُمْنى فَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَعْنَاهُ: تُرَاقُ. وَلَمْ يُذْكَرْ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ فِعْلَ: مَنَى أَوْ أَمْنَى يُطْلَقُ بِمَعْنَى أَرَاقَ سِوَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ فِي تَسْمِيَةِ (مِنَى) الَّتِي بِمَكَّةَ إِنَّهَا سُمِّيَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُرَاقُ بِهَا دِمَاءُ الْهَدْيِ، وَلَمْ يُبَيِّنُوا هَلْ هُوَ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ أَوْ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ.
وَأَحْسَبُ هَذَا مِنَ الْتَلْفِيقَاتِ الْمَعْرُوفَةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ طَلَبِهِمْ إِيجَادَ أَصْلٍ لِاشْتِقَاقِ الْأَعْلَامِ وَهُوَ تَكَلُّفٌ صُرَاحٌ، فَاسْمُ (مِنَى) عَلَمٌ مُرْتَجَلٌ، وَقَالَ ثَعْلَبُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَنَى اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ، أَيْ قَدَّرَهُ لِأَنَّهَا تُنْحَرُ فِيهَا الْهَدَايَا وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ شُمَيْلٍ وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ تَمَنَّى بِمَعْنَى تُخْلَقُ مِنْ قَوْلِهِمْ مَنَى اللَّهُ الْخَلْقَ، أَيْ خَلَقَهُمْ.
وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ مُضَارِعُ أَمْنَى الرَّجُلُ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ [٥٨].
وَالْعَلَقَةُ: الْقِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الدَّمِ الْمُتَعَقِّدِ.
وَعُطِفُ فِعْلُ كانَ عَلَقَةً بِحَرْفِ ثُمَّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّرَاخِي الْرُتْبِي فَإِنَّ كَوْنَهُ عَلَقَةً
أَعْجَبُ مِنْ كَوْنِهِ نُطْفَةً لِأَنَّهُ صَارَ عَلَقَةً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَاءً فَاخْتَلَطَ بِمَا تُفْرِزُهُ رَحِمُ الْأُنْثَى مِنَ الْبُوَيْضَاتِ فَكَانَ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا عَلَقَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَائِدَةِ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ النَّجْمِ [٤٦] مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى.

صفحة رقم 367

وَلَمَّا كَانَ تَكْوِينُهُ عَلَقَةً هُوَ مَبْدَأَ خَلْقِ الْجِسْمِ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَخَلَقَ بِالْفَاءِ، لِأَنَّ الْعَلَقَةَ يَعْقُبُهَا أَنْ تَصِيرَ مُضْغَةً إِلَى أَنْ يَتِمَّ خَلْقُ الْجَسَدِ وَتُنْفَخَ فِيهِ الرّوح.
وَضمير فَخَلَقَ عَائِدٌ إِلَى رَبِّكَ [الْقِيَامَة: ٣٠]. وَكَذَلِكَ عُطِفَ فَسَوَّى بِالْفَاءِ.
وَالتَّسْوِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ سَوَاءً، أَيْ مُعَدَّلًا مُقَوَّمًا قَالَ تَعَالَى: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [الْبَقَرَة: ٢٩] وَقَالَ: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الْأَعْلَى: ٢]، أَيْ فَجَعَلَهُ جَسَدًا مِنْ عَظْمٍ وَلَحْمٍ. وَمَفْعُولُ (خَلَقَ) وَمَفْعُولُ (سَوَّى) مَحْذُوفَانِ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِمَا، أَيْ فَخَلَقَهُ فَسَوَّاهُ. وَعُقِّبَ ذَلِكَ بِخَلْقِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى زَوْجَيْنِ وَمِنْهُمَا يَكُونُ التَّنَاسُلُ أَيْضًا.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تُمْنَى بِالْفَوْقِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ وَصْفٌ لِ نُطْفَةً. وَقَرَأَهُ حَفْصٌ وَيَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ وَصْفُ مَنِيٍّ.
وَجُمْلَةُ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ لِأَنَّ خَلْقَ جِسْمِ الْإِنْسَانِ مِنْ عَدَمٍ وَهُوَ أَمْرٌ ثَابِتٌ بِضَرُورَةِ الْمُشَاهَدَةِ، أَحَقُّ بِالِاسْتِبْعَادِ مِنْ إِعَادَةِ الْحَيَاةِ إِلَى الْجِسْمِ بَعْدَ الْمَوْتِ سَوَاءٌ بَقِيَ الْجِسْمُ غَيْرَ نَاقِصٍ أَوْ نَقَصَ بَعْضُهُ أَوْ مُعْظَمُهُ فَهُوَ إِلَى بَثِّ الْحَيَاةِ فِيهِ وَإِعَادَةِ مَا فَنِيَ مِنْ أَجْزَائِهِ أَقَرَبُ مِنْ إِيجَادِ الْجِسْمِ مِنْ عَدَمٍ.
وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارٌ لِلْمَنْفِيِّ إِنْكَارَ تَقْرِيرٍ بِالْإِثْبَاتِ وَهَذَا غَالِبُ اسْتِعْمَالِ الِاسْتِفْهَامِ التقريري أَن يَقع عَلَى نَفْيٍ مَا يُرَادُ إِثْبَاتُهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ كَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُقَرَّرِ إِنْ أَرَادَ إِنْكَارًا كِنَايَةً عَنْ ثِقَةِ الْمُتَكَلِّمِ بِأَنَّ الْمُخَاطَبَ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْكَارَ.
وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْخِتَامِ بِمُحَسِّنِ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ، فَإِنَّ السُّورَةَ افْتُتِحَتْ بِإِنْكَارِ أَنْ يَحْسَبَ الْمُشْرِكُونَ اسْتِحَالَةَ الْبَعْثِ، وَتَسَلْسَلَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ بِأَفَانِينَ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَالتَّهْدِيدِ وَالتَّشْرِيطِ وَالِاسْتِدْلَالِ، إِلَى أَنْ أَفْضَى إِلَى اسْتِنْتَاجِ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى وَهُوَ الْمَطْلُوبُ الَّذِي قُدِّمَ فِي قَوْلِهِ: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [الْقِيَامَة: ٣، ٤].
وَتَعْمِيمُ الْمَوْتَى فِي قَوْلِهِ: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَعْدَ جَرَيَانِ
أُسْلُوبِ الْكَلَامِ عَلَى خُصُوصِ الْإِنْسَانِ الْكَافِرِ أَوْ خُصُوصِ كَافِرٍ مُعَيَّنٍ، يَجْعَلُ جُمْلَةَ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى تَذْيِيلًا.

صفحة رقم 368

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

٧٦- سُورَةُ الْإِنْسَانِ
سُمِّيَتْ فِي زَمَنِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سُورَةُ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ».
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ مِنْ «صَحِيحِهِ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِ ألم السَّجْدَةِ وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ
[الْإِنْسَانِ: ١].
وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ «الْإِتْقَانِ»
عَلَى تَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ «سُورَةِ الْإِنْسَانِ» عِنْدَ ذِكْرِ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي عِدَادِ السُّوَرِ الَّتِي لَهَا أَكْثَرُ مِنِ اسْمٍ.
وَتُسَمَّى «سُورَةَ الدَّهْرِ» فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَصَاحِفِ.
وَقَالَ الْخَفَاجِيُّ تُسَمَّى «سُورَةَ الْأَمْشَاجِ»، لِوُقُوعِ لَفْظِ الْأَمْشَاجِ فِيهَا وَلَمْ يَقَعْ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ.
وَذَكَرَ الطُّبَرِسِيُّ: أَنَّهَا تُسَمَّى «سُورَةَ الْأَبْرَارِ»، لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ نَعِيمِ الْأَبْرَارِ وَذَكَرَهُمْ بِهَذَا اللَّفْظِ وَلم أره لغيره.

صفحة رقم 369

فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ لِهَذِهِ السُّورَةِ.
وَاخْتُلِفَ فِيهَا فَقِيلَ هِيَ مَكِّيَّةٌ، وَقِيلَ مَدَنِيَّةٌ، وَقِيلَ بَعْضُهَا مَكِّيٌّ وَبَعْضُهَا مَدَنِيٌّ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَقَتَادَةَ وَمُقَاتِلٍ: هِيَ مَكِّيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ رَتَّبَهَا فِي مُصْحَفِهِ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ مُعْظَمُ التَّفَاسِيرِ وَنَسَبَهُ الْخَفَاجِيُّ إِلَى الْجُمْهُورِ.
وَرَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَحُكِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالْكَلْبِيُّ: هِيَ مَدَنِيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [الْإِنْسَان: ٢٤] إِلَى آخِرِهَا، أَوْ قَوْلَهُ: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ [الْإِنْسَان: ٢٤]
إِلَخْ. وَلَمْ يَذْكُرْ هَؤُلَاءِ أَنَّ تِلْكَ الْآيَاتِ مِنْ أَيَّةِ سُورَةٍ كَانَتْ تُعَدُّ فِي مَكَّةَ إِلَى أَنْ نَزَلَتْ سُورَةُ الْإِنْسَانِ بِالْمَدِينَةِ وَهَذَا غَرِيبٌ. وَلَمْ يُعَيِّنُوا أَنَّهُ فِي أَيَّةِ سُورَةٍ كَانَ مَقْرُوءًا.
وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ فَإِنَّ أُسْلُوبَهَا وَمَعَانِيَهَا جَارِيَةٌ عَلَى سُنَنِ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ وَلَا أَحْسَبُ الْبَاعِثَ عَلَى عَدِّهَا فِي الْمَدَنِيِّ إِلَّا مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ آيَةَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ [الْإِنْسَان:
٨] نَزَلَتْ فِي إِطْعَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْمَدِينَةِ مِسْكِينًا لَيْلَةً، وَيَتِيمًا أُخْرَى، وَأَسِيرًا أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ أَسْرَى بِمَكَّةَ حَمْلًا لِلَفْظِ أَسِيرٍ عَلَى مَعْنَى أَسِيرِ الْحَرْبِ، أَوْ مَا رُوِيَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي أَبِي الدَّحْدَاحِ وَهُوَ أَنْصَارِيُّ، وَكَثِيرًا مَا حَمَلُوا نُزُولَ الْآيَةِ عَلَى مُثُلٍ تَنْطَبِقُ عَلَيْهَا مَعَانِيهَا فَعَبَّرُوا عَنْهَا بِأَسْبَابِ نُزُولٍ كَمَا بَيَّنَاهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْخَامِسَةِ.
وَعَدَّهَا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ الثَّامِنَةَ وَالتِسْعِينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ. وَقَالَ: نَزَلَتْ بعد سُورَة الرحمان وَقَبْلَ سُورَةِ الطَّلَاقِ. وَهَذَا جَرْيٌ عَلَى مَا رَآهُ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ.
فَإِذَا كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ أَخْذًا بِتَرْتِيبِ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَتَكُونُ الثَلَاثِينَ أَوِ الْحَادِيَةَ وَالثَلَاثِينَ وَجَدِيرَةً بِأَنْ تُعَدَّ قَبْلَ سُورَةِ الْقِيَامَةِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَسْبَمَا وَرَدَ فِي تَرْتِيبِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ مِنْ «سُنَنِهِ» عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ النَّظَائِرَ السُّورَتَيْنِ وَعَدَّ سُوَرًا فَقَالَ: وهَلْ أَتى وَلَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فِي رَكْعَةٍ»
. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا تَأْلِيفُ ابْنِ مَسْعُودٍ (أَيْ تَأْلِيفُ مُصْحَفِهِ) :
وَاتَّفَقَ الْعَادُّونَ عَلَى عَدِّ آيَهَا إِحْدَى وَثَلَاثِينَ.

صفحة رقم 370

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية