تمهيد :
تصف الآيات حالة الاحتضار ونزول الموت بالإنسان، وتفلّت الدنيا من بين يديه، وإقبال الآخرة عليه.
وقيل : نزلت الآيات في أبي جهل حين مشى إلى أهله مختالا مفتخرا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :( أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى ).
ثم أقامت الآيات الدليل على صحة البعث من وجهين :
١- أن يثاب الطائع ويعاقب العاصي.
٢- كما قدر سبحانه على الخلق الأول، وأوجد الإنسان من مني يمنى، قادر على الإعادة والبعث.
المفردات :
فسوّى : فعدّله وكمّله ونفخ فيه الروح.
الزوجين : النوعين.
التفسير :
٣٨، ٣٩- ثم كان علقة فخلق فسوّى* فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى.
ثم تحولت النطفة الملقّحة إلى مراحل معينة يمر بها الجنين، في بطن أمه ترعاها يد القدرة الإلهية، من نطفة إلى علقة، ( قطعة دم تعلق بجدار الرحم، وتمسك به تماما ليكون قرارا مكينا لها )، ثم تتحول إلى مضغة ( قطعة لحم قدر ما يمضغه الإنسان )، ثم تتحول إلى عظام، ثم يكسى العظام لحما، ثم يصبح خلقا آخر متكاملا، فيه كل وسائل الحياة.
من الذي خلق هذا الخلق منسق الأعضاء، مؤلفا جسمه من ملايين الملايين من الخلايا الحية ؟ من الذي قاد هذه الرحلة المديدة للجنين، وهو خليقة صغيرة ضعيفة لا عقل له ولا مدارك ولا تجارب ؟ ثم في النهاية.. من ذا الذي جعل من الخلية الواحدة الذكر والأنثى ؟
إنها اليد اللطيفة المدبرة التي قادت النطفة المراقة في طريقها الطويل، حتى انتهت بها إلى ذلك المصير.
فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى.
أي : فجعل منه هذا الإنسان صنفين ونوعين : ذكرا وأنثى، بقدرته تعالى.
هذا هو أصل الإنسان وتركيبه، تقوده يد القدرة الإلهية، من مني يمنى إلى بشر متكامل، هذا الخالق المدبّر اللطيف الخبير الذي أوجد الإنسان في بداية حياته، أليس قادرا على أن يعيده مرة أخرى، وأن يحييه بعد مماته.
وفي هذا المعنى يقول الله تعالى في أوائل سورة المؤمنين :
ولقد الإنسان من سلالة من طين* ثم جعلناه نطفة في قرار مكين* ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فسكونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين* ثم إنكم بعد ذلك لميّتون* ثم إنكم يوم القيامة تبعثون. ( المؤمنون : ١٢-١٦ ).
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة