بل يريد الإِنسانُ لِيَفجُر أمامه : عطف على أيحسب إمّا على أنه استفهام توبيخي، أضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا، أو : على أنه إيجاب انتقل إليه عن الاستفهام، أي : بل يريد ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات، وما يستقبله من الزمان، لا يرعوي عنه.
قال القشيري : لِيفجُر أمامه أي : يعزم على أنه يستكثر من معاصيه في مستأنف وقته، ولا يحلّ عقدةَ الإصرار من قلبه، فلا تصحّ توبتُه ؛ لأنّ التوبة من شرطها : العزم على أن لا يعودَ إلى مثل ما عَمِل، فإذا كان استحلى الزلّة في قلبه، وتفكّر في الرجوع إلى مثله فلا تصح ندامتُه. ه. وقيل : ليفجُرَ أَمامَه أي : يكفر بما قُدامه، ويدل على هذا قوله : يسأل أيَّانَ يومُ القيامةِ .
قال القشيري : أيحسب الإنسان، أي : الإنسان المحجوب بنفسه وهواه، ألَّن نجمع عِظامه ؛ أعماله الحسنة والسيئة، بلى قادرين على أن نُسَوِّي بنانه، أي : صغار أفعاله الحسنة والسيئة، بل يُريد الإنسان المحجوب لِيَفْجُرَ أمامه، بحسب الاعتقاد والنية، قبل الإتيان بالفعل، أي : يعزم على المعاصي في المستقبل قبل أن يفعل، يسأل أيَّان يوم القيامة ؟ لطول أمله، ونسيان آخرته، ولو فُتحت بصيرتُه لَشَاهد القيامة في كل ساعة ولحظة، بتعاقب تجلي الإفناء والإبقاء. فإذا بَرِقَ البصرُ : تحيّر من سطوات أشعة سبحات التجلِّي الأحدي الجمعي، وخسَف القمر، أي : ستر نور قمر القلب بنور شمس الروح، وجُمع الشمس والقمر، أي : جُمع شمس الروح وقمر القلب، بالتجلِّي الأحدي الجمعي، يعني : فيغيب نور قمر الإيمان في شعاع شمس العرفان، يقول الإنسان يومئذ : أين المفر ؟ من خوف الاضمحلال والاستهلاك، وليس عنده حينئذ قوة التمكين فيخاف من الاصطلام، إلى ربك يومئذ المستقر بالرسوخ والتمكين، بعد الفرار إلى الله، قال تعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللهِ [ الذاريات : ٥٠ ]. هـ. بالمعنى.
يُنبأ الإنسانُ يومئذٍ بما قَدَّم من المجاهدة، حيث يرى ثمرتها، وما أَخَّرَ، حيث يرى شؤم تفريطه فيها، فالمشاهدة على قدر المجاهدة، فبقدر ما يُقَدِّم منها تعظم مشاهدته، وبقدر ما يُؤخِّر منها تَقِلّ. بل الإنسان على نفسه بصيرة، يرى ما ينقص من قلبه وما يزيد فيه، ويشعر بضعفه وقوته، إن صحّت بصيرته، وطهرت سريرته، فإذا فرط في حال سيره لا يقبل عذره، ولو ألقى معاذيره. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي