ﮧﮨﮩﮪﮫ

كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ أي في وصف القوارير في الصفاء وفي بياض الفضة، فصفاؤها صفاء الزجاج، ولونها لون الفضة.
قرأ نافع والكسائي وأبو بكر ( قواريراً قواريراً ) بالتنوين فيهما مع الوصل، وبالوقف عليهما بالألف، وقد تقدّم وجه هذه القراءة في تفسير قوله : سلاسل [ الإِنسان : ٤ ] من هذه السورة، وبيّنا هنالك وجه صرف ما فيه صيغة منتهى الجموع فارجع إليه. وقرأ حمزة بعدم التنوين فيهما وعدم الوقف بالألف، ووجه هذه القراءة ظاهر لأنهما ممتنعان لصيغة منتهى الجموع. وقرأ هشام بعدم التنوين فيهما مع الوقف عليهما بالألف، وقرأ ابن كثير بتنوين الأوّل دون الثاني والوقف على الأوّل بالألف دون الثاني. وقرأ أبو عمرو وحفص وابن ذكوان بعدم التنوين فيهما، والوقف على الأوّل بالألف دون الثاني، والجملة في محل جرّ صفة لأكواب. قال أبو البقاء : وحسن التكرير لما اتصل به من بيان أصلها. قال الواحدي : قال المفسرون : جعل الله قوارير أهل الجنة من فضة، فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير. قال الزجاج : القوارير التي في الدنيا من الرمل، فأعلم الله فضل تلك القوارير أن أصلها من فضة يرى من خارجها ما في داخلها، وجملة قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً صفة لقوارير. قرأ الجمهور قدّروها بفتح القاف على البناء للفاعل : أي قدّرها السقاة من الخدم الذين يطوفون عليهم على قدر ما يحتاج إليه الشاربون من أهل الجنة من دون زياد ولا نقصان. قال مجاهد وغيره : أتوا بها على قدر ريهم بغير زيادة ولا نقصان. قال الكلبي : وذلك ألذّ وأشهى، وقيل : قدّرها الملائكة. وقيل : قدّرها أهل الجنة الشاربون على مقدار شهواتهم وحاجتهم، فجاءت كما يريدون في الشكل لا تزيد ولا تنقص. وقرأ عليّ وابن عباس والسلمي والشعبي وزيد بن عليّ وعبيد بن عمير وأبو عمرو في رواية عنه :«قدّروها » بضم القاف وكسر الدال مبنياً للمفعول : أي جعلت لهم على قدر إرادتهم. قال أبو علي الفارسي : هو من باب القلب، قال : لأن حقيقة المعنى أن يقال : قدّرت عليهم لا قدّروها، لأنه في معنى قدروا عليها. وقال أبو حاتم : التقدير قدّرت الأواني على قدر ريهم، فمفعول ما لم يسمّ فاعله محذوف. قال أبو حيان : والأقرب في تخريج هذه القراءة الشاذة أن يقال : قدّر ريهم منها تقديراً، فحذف المضاف فصار قدّروها. وقال المهدوي : إن القراءة الأخيرة يرجع معناها إلى معنى القراءة الأولى، وكأن الأصل قدّروا عليها فحذف حرف الجرّ كما أنشد سيبويه :

آليت حبّ العراق الدهر آكله والحب يأكله في القرية السوس
أي آليت على حبّ العراق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : الزمهرير هو البرد الشديد. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«اشتكت النار إلى ربها فقالت : ربّ أكل بعضي بعضاً، فجعل لها نفسين : نفساً في الصيف، ونفساً في الشتاء، فشدّة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدّة ما تجدون في الصيف من الحرّ من سمومها». وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السريّ وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في قوله : وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظلالها قال : قريبة وَذُلّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً قال : إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياماً وقعوداً ومضطجعين وعلى أيّ حال شاءوا. وفي لفظ قال : ذللت فيتناولون منها كيف شاءوا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال : ءانِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وصفاؤها كصفاء القوارير قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً قال : قدّرت للكف. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي عنه قال : لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها، ولكن قوارير الجنة بياض الفضة في صفاء القوارير. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : ليس في الجنة شيء إلاّ وقد أعطيتم في الدنيا شبهه إلاّ قوارير من فضة. وأخرج الفريابي عنه أيضاً في قوله : قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً قال : أتوا بها على قدر الفم لا يفضلون شيئًا ولا يشتهون بعدها شيئًا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضاً قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً قال : قدّرتها السقاة. وأخرج ابن المبارك وهناد وعبد بن حميد والبيهقي في البعث عن ابن عمرو قال : إن أدنى أهل الجنة منزلاً من يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ليس عليه صاحبه، وتلا هذه الآية إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً .

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية