عليهم قرأ نافع وحمزة بإسكان الياء على أنه مبتدأ وما بعده خبره من جملته حال من ضمير عليهم في يطوف عليهم أو من المنصوب في حسبتهم أو ملكا كبيرا بحذف المضاف أي أهل ملك كبير والباقون بالنصب على أنه ظرف مستقر بمعنى فوقهم خبر لما بعده أو حال مما ذكرنا وما بعده فاعل الظرف ثياب سندس بالإضافة مبتدأ أو خبر أو فاعل لما قبله والسندس معرب ضرب من رقيق الديباج كذا في القاموس خضر أخضر قرأ نافع وحفص وأبو عمر وابن عامر بالرفع على أنه صفة ثياب والباقون بالجر على أنه صفة سندس وإستبرق أي الديباج الغلظ معرب استبره أو ديباج يعمل بالذهب أو ثياب حرير صفاق نحو الديباج كذا في القاموس قرأ نافع وابن كثير وعاصم بالرفع عطفا على ثياب والباقون بالجر عطفا على سندس. عن ابن عمر قال : قال رجل : يا رسول الله أخبرنا عن ثياب أهل الجنة أخلق يخلق أم نسج ينسج ؟ فقال :( بل ينشق عنها ثمر الجنة ) رواه النسائي والبزار والبيهقي بسند جيد وعن جابر قال ( في الجنة شجرة ينبت السندس يكون ثياب أهل الجنة ) رواه البزار والطبراني وأبو يعلى بسند صحيح وعن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة )١ متفق عليه وروى النسائي والحاكم وعن أبي هريرة نحوه وزاد ( ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة ومن شرب من آنية الذهب والفضة في الدنيا لم يشرب بهما في الآخرة ) وفي الصحيحين عن أنس والزبير نحو حديث عمر وعن أبي سعيد الخدري أيضا نحو حديث عمر وزاد ( وإن دخل الجنة لم يلبسه ) رواه الطيالسي بسند صحيح والنسائي وابن حبان والحاكم وحلوا عطف على ويطوف عليهم أو حال من الضمير في عاليهم بإضمار قد أساور منصوب بنزع الخافض من فضة من بيانية وهذا لا يخالف قوله تعالى : أساور من ذهب ٢ لإمكان الجمع والعاقبة والتبعيض وعلى تقدير كون الجملة حالا من ضمير للخدم فيجوز أن يكون أساور من فضة للخدم ومن ذهب وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن كعب الأحبار قال : إن الله تعالى ملكا يصوغ على أهل الجنة من أول خلقه إلى أن تقوم الساعة ولو أن حليا يخرج من حلي أهل الجنة لذهب بضوء الشمس وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( يبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء )٣ وأخرج النسائي والحاكم عن عقبة بن عامر قوله صلى الله عليه وسلم :( إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها فلا تلبسوها في الدنيا ) وسقاهم ربهم معطوف على الجمل السابقة شرابا طهورا من الأقذار لم تمسه الأيدي كخمر الدنيا، وقال أبو قلابة وإبراهيم : إنه لا يصير بولا نجسا ولكن يصير رشحا في أبدانهم كريح المسك وذلك أنهم يؤتون بالطعام وإذا كان آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور فيشربون فيطهر بذلك بطونهم ويصير ما أكلوا رشحا يخرج من جلودهم أطيب من المسك الأذفر تعود شهوتهم، وقال مقاتل هو عين ماء على باب الجنة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل أوحسد، قال البيضاوي ولنعم ما قال هو أن الله سبحانه يريد نوعا آخر من الشراب يفوق على النوعين المتقدمين ولذلك أسند إلى نفسه ووصفه بالطهورية فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى الذات الحسنة والركون إلى ما سوى الحق فتجرد لمعاينة جماله متلذذا بلقائه وهي منتهى درجة الصديقين ذلك ختم به ثواب الأبرار وختم ثوابهم ومبدأ ثواب الصديقين وأدنى درجتهم، قال في المدارك : قيل إن الملائكة تعرضون عليهم الشراب فيأبون قبوله منه ويقولون لقد طال أخذنا من الوسائط فإذا هم بكأسات تلاقي أفواههم بغير أكف من غيب إلى عبد ويؤيد هذا القول ما أخرج ابن أبي الدنيا بسند جيد عن أمامة قال : إن الرجل من أهل الجنة يشتهي الشراب من شراب الجنة فيقع في يده فيشرب ثم يعود إلى مكانه، قال الشيخ الأجل يعقوب الكرخي إن السابقين المقربين يعطون الكاسات من تحت العرش بلا واسطة والمقتصدين يعني الأبرار يعطيهم الملائكة وغيرهم من أهل الجنة يعني الذين دخلوها بعد المغفرة أو العذاب يعطيهم الولدان انتهى، قلت : وهذه الآيات إخبار عن شأن الأبرار فلعلهم يعطون الكاسات تارة بتوسط الولدان وتارة بتوسط الملائكة وتارة بلا توسط وأما المقربون لعلهم يعطون بلا توسط غالبا.
٢ سورة الكهف، الآية: ٣١..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء (٢٥٠)..
التفسير المظهري
المظهري