ﮑﮒ ﮔﮕ ﮗﮘ ﮚﮛ ﮝﮞ ﮠﮡﮢ ﮤﮥﮦ ﮨﮩﮪ ﮬﮭﮮ ﮰﮱﯓ ﯕﯖﯗ ﯙﯚﯛ ﯝﯞ ﯠﯡﯢﯣﯤ ﯦﯧﯨ

فضلها:
أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينما نحن مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غار بمنى، إذ نزلت عليه وَالْمُرْسَلاتِ فإنه ليتلوها، وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها، إذ وثبت علينا حية، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اقتلوها» فابتدرناها، فذهبت، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وقيت شرّكم، كما وقيتم شرّها».
وأخرج أحمد عن ابن عباس عن أمه: أنها سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا.
وفي رواية مالك والشيخين في الصحيحين عن ابن عباس: أن أم الفضل سمعته يقرأ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فقالت: يا بني أذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقرأ بها في المغرب.
وقوع يوم القيامة حتما ووقته وعلاماته
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١ الى ١٥]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤)
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩)
وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
الإعراب:
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً إن جعلت وَالْمُرْسَلاتِ بمعنى الرياح، كان عُرْفاً منصوبا

صفحة رقم 312

على الحال، وإن جعلت بمعنى الملائكة كان عُرْفاً منصوبا بتقدير حذف حرف جر، أي والمرسلات بعرف، أي بمعروف، والمعنى الأول أظهر.
فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً، وَالنَّاشِراتِ نَشْراً عصفا ونشرا: منصوبان على المصدر المؤكد.
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً، عُذْراً أَوْ نُذْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً: منصوبان من ثلاثة أوجه: إما على المفعول لأجله، أي للإعذار والإنذار، أو على البدل من ذِكْراً أي فالملقيات عذرا أو نذرا، أو بالمصدر نفسه وهو (ذكر) وتقديره: أن ذكّر عذرا أو نذرا.
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ النُّجُومُ: مرفوع بفعل دل عليه طُمِسَتْ وتقديره: إذا طمست النجوم طمست، وجواب إذا مقدر، تقديره: وقع الفصل، أو الجواب: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ...
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ أصل أُقِّتَتْ وقتت، إلا أنه لما انضمت الواو ضما لازما، قلبت همزة، كقولهم في وجوه: أجوه.
البلاغة:
فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً، وَالنَّاشِراتِ نَشْراً، فَالْفارِقاتِ فَرْقاً تأكيد بذكر المصدر لزيادة البيان، وتقوية الكلام.
عُذْراً أَوْ نُذْراً بينهما طباق.
لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ، لِيَوْمِ الْفَصْلِ، وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ وضع الظاهر في الجملة الأخيرة موضع الضمير، وجيء بصيغة الاستفهام، لزيادة تهويل الأمر وتعظيمه والتعجيب من هوله.
المفردات اللغوية:
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً الأظهر أنها الرياح المتتابعة كعرف الفرس: وهو الشعر المتتابع النابت على الرقبة، وقيل: إنها الملائكة المرسلة للمعروف والإحسان. فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً الرياح الشديدة. وَالنَّاشِراتِ نَشْراً الأظهر أنها أيضا الرياح التي تنشر المطر، أو تنشر السحاب في آفاق السماء، كما يشاء الرب عز وجل، وقيل: إنها الملائكة الموكلون بالسحب يسوقونها حيث يشاء الله تعالى لنشر المطر وإحياء الأرض.
فَالْفارِقاتِ فَرْقاً، فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً، عُذْراً أَوْ نُذْراً أي الملائكة التي تنزل بالوحي إلى الأنبياء والرسل، لتفرّق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وتلقي بالعلم والحكمة إلى الأنبياء، للإعذار والإنذار، الإعذار من الله للعباد لئلا يبقى لهم حجة عند الله، والإنذار من الله تعالى للناس بالنقمة والعذاب إذا لم يؤمنوا.

صفحة رقم 313

إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ جواب القسم، أي إن الذي توعدون به يا كفار مكة وأشباهكم من مجيء القيامة والبعث والعذاب كائن لا محالة. طُمِسَتْ محقت وذهب نورها. فُرِجَتْ شقت وصدعت. أُقِّتَتْ جمعت لوقت، وعين لها وقت تحضر فيه للشهادة على الأمم بالتبليغ، قال الزمخشري: والوجه أن يكون معنى (وقتت) بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة. لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ؟ أي يقال: لأي يوم أخّرت وأمهلت للشهادة على الأمم بالتبليغ، وهذا القول تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله. لِيَوْمِ الْفَصْلِ بيان ليوم التأجيل، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق بأعمالهم: إما إلى الجنة، وإما إلى النار. وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ تهويل لشأنه، والمعنى: ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله؟ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بذلك، وهذا وعيد لهم، والويل: العذاب والخزي. وويل في الأصل: مصدر منصوب بإضمار فعل، عدل به إلى الرفع، للدلالة على ثبات الهلاك للمدعو عليه، ويَوْمَئِذٍ ظرفه، أو صفته.
التفسير والبيان:
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً، فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً، وَالنَّاشِراتِ نَشْراً أي أقسم بالرياح المتتابعة كعرف الفرس إذا ذهبت شيئا فشيئا، وبالرياح التي ترسل عاصفة لما أمرت به من نعمة ونقمة، وبالرياح التي تنشر السحاب وتفرقه في آفاق السماء كما يشاء الرب عز وجل. وهذا هو الأظهر كما قال ابن كثير وابن جزي صاحب التسهيل لعلوم التنزيل، وقال القرطبي: جمهور المفسرين على أن المرسلات: الرياح.
وقيل: المقصود بالمرسلات: الملائكة المرسلة بوحي الله وأمره ونهيه بالإحسان والمعروف، والعاصفات: الملائكة الموكلون بالرياح يعصفون بها، والناشرات: الملائكة الموكلون بالسحب ينشرونها أو ينشرون أجنحتهم في الجوّ عند النزول بالوحي. وقيل: المراد بهؤلاء وما يأتي: طوائف الأنبياء أرسلوا بالوحي المحقق لكل خير، الذي أخذ أمرهم في العصوف والاشتداد إلى أن بلغ غايته، وانتشرت دعوتهم، ففرقوا بين المؤمن والكافر، والمقر والجاحد، وألقوا الذكر والتوحيد إلى الناس كافة، أو إلى طائفة معينين.

صفحة رقم 314

فَالْفارِقاتِ فَرْقاً، فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً، عُذْراً أَوْ نُذْراً ثم أقسم بالملائكة الذين ينزلون بأمر الله على الرسل بما يفرق بين الحق والباطل، والهدى والغي، والحلال والحرام، وتلقي الوحي إلى الأنبياء، إعذارا من الله إلى خلقه، وإنذارا من عذابه إن خالفوا أمره. وقيل: المراد بالفارقات والملقيات: الرياح أيضا.
إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام، أي إن ما وعدتم به من مجيء الساعة والنفخ في الصور، وبعث الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله خيرا أو شرا، إن هذا كله لواقع وكائن لا محالة.
ثم بيّن الله سبحانه وقت وقوعه وأشراطه، فقال:
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ، وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ، وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ أي فإذا محي نور النجوم وذهب ضوءها، وفتحت السماء وشقت وصدعت ووهت أطرافها، وقلعت الجبال من مكانها، وذهب بها، وطارت في الجو هباء، فلا يبقى لها عين ولا أثر، واستوى مكانها بالأرض.
ونظير الآية في النجوم: وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [التكوير ٨١/ ٢] وقوله: وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار ٨٢/ ٢]. وفي السماء: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق ٨٤/ ١] وقوله: وَفُتِحَتِ السَّماءُ، فَكانَتْ أَبْواباً [النبأ ٧٨/ ١٩] وقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان ٢٥/ ٢٥]. وفي الجبال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ، فَقُلْ: يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [طه ٢٠/ ١٠٥].
ووجه الجمع بين الرياح في الثلاثة الأول، وبين الملائكة في الرابع والخامس هو اللطافة وسرعة الحركة.
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ، لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ، لِيَوْمِ الْفَصْلِ، وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ أي وإذا الرسل جمعت وجعل لها وقت للفصل والقضاء بينهم وبين

صفحة رقم 315

الأمم، كقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [المائدة ٥/ ١٠٩] ويقال لتعجيب العباد من هول ذلك اليوم: لأي يوم عظيم أخرت الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل:
وهي تعذيب من كذبهم، وتعظيم من صدّقهم، وظهور ما كانوا قد أوعدوا به الأمم، وخوفوهم من العرض والحساب ونشر الدواوين، ووضع الموازين. والمراد بذلك تهويل أمر هذا اليوم وتعظيم شأنه، وهو يوم القيامة.
ثم أجاب الله تعالى بأنهم أجّلوا ليوم الفصل بين الخلائق، يفصل فيه بين الناس بأعمالهم، فيفرّقون إلى الجنة والنار.
ثم عظم تعالى ذلك اليوم ثانيا، فقال: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ أيّ وما أعلمك بيوم الفصل، وأيّ شيء شدته ومهابته؟ يعني أنه أمر هائل لا يعرف وصفه، ولا يقدر قدره.
ثم عقبه الله تعالى بتهويل ثالث، فقال:
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أي ويل لهم من عذاب الله غدا، في ذلك اليوم المصحوب بالأهوال لمن كذب الله ورسله وكتبه، والويل تهديد بالهلاك، ولا يصح أنه واد في جهنم، كما قال ابن كثير.
وقد كرر هذا التهويل في السورة في تسعة مواضع أخر، لمزيد التأكيد والتقرير، كما مرّ في سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- أقسم الله تعالى بالرياح وبالملائكة جامعا بينهم بسبب اللطافة وسرعة الحركة، على أن يوم القيامة والبعث حق كائن لا محالة تحقيقا لما أوعد الله به الظالمين في السورة السابقة.

صفحة رقم 316

والمقصود بالقسم: التنبيه على جلالة المقسم به، ومعروف مدى تأثير الرياح، سواء لإنزال المطر أو لإصابة العذاب، كما أن شرف الملائكة وعلو رتبتهم أمر ظاهر من وجوه: هي شدة مواظبتهم على طاعة الله تعالى، ولتنوع طوائفهم، فمنهم الموكل بإنزال الوحي على الأنبياء، ومنهم المرسل ليلا أو نهارا لرصد أعمال بني آدم وكتابتها، والعمل يشمل القول من اللسان والفعل الصادر من الجوارح (الأعضاء) ومنهم الموكل بقبض الأرواح، ومنهم الذين ينزلون من البيت المعمور إلى الكعبة «١».
٢- ثم ذكر الله تعالى متى يقع يوم القيامة وعلاماته (أو أشراطه) وهو يوم ذهاب ضوء النجوم ومحي نورها، كطمس الكتاب، وتشقق السماء (أو انفطارها) وزوال معالمها، ونسف الجبال والذهاب بها دون بقاء أثر لها حتى تسوى بالأرض، وجمع الرسل ليوم القيامة في الميقات المخصص لهم للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم. والخلاصة: هذه مقدمات البعث.
٣- عيّن الله تعالى ميعاد جمع الرسل: وهو يوم الفصل الذي أجّلوا إليه، فيفصل الله تعالى فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة أو إلى النار.
٤- عظم الله تعالى ذلك اليوم وأشاع عنه التهويل ثلاث مرات: في قوله لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وقوله: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ؟ وقوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أي العذاب والخزي لمن كذّب بالله وبرسله وبكتبه وبيوم الفصل، فهو وعيد شديد.

(١) تفسير الرازي: ٣٠/ ٢٦٥

صفحة رقم 317

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية