ﯸﯹﯺﯻﯼ

ويُقال لهم في الدنيا على وجه التحذير : كُلوا وتمتعوا كقوله : اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ [ فصلت : ٤٠ ] أو : في الآخرة، أي : الويل ثابت لهم، مقولاً لهم ذلك، تذكيراً لهم بحالهم في الدنيا، بما جَنوا على أنفسهم من إيثارهم المتاع الفاني عن قريب على التمتُّع الخالد، أي : تمتّعوا زمناً قليلاً أو متاعاً قليلاً، لأنَّ متاع الدنيا كله قليل، إِنكم مجرمون أي : كافرون، أي : إنَّ كلّ مجرم يأكل ويتمتّع أياماً قلائل، ثم يبقى في الهلاك الدائم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إنَّ المتقين ما سوى الله في ظلال التقريب، وبرد التسليم، ونسيم الوصال، فما أطيب نسيمهم، وما ألذ مشربهم، كما قال الشاعر :

يا نسيمَ القُرب ما أطيبكا ذاق طعم الأُنس مَن حَلَّ بكا
أيُّ عيشٍ لأناس قُرِّبوا قد سُقوا بالقدس من مشربكا
وعيون أي : مناهل الشرب من رحيق الوجدان، وفواكه النظر، مما يشتهون، أي : وقت يشتهون، كُلوا من رزق أرواحكم وأسراركم، وهو الترقي في معاريج العرفان، وأشربوا من رحيق أذواقكم، هنيئاً بما كنتم تعملون أيام مجاهدتكم، إنَّا كذلك نجزي المحسنين المتقين علومَهم وأعمالَهم. ويل يومئذ للمكذِّبين بطريق هذا المقام الرفيع، يُقال لهم : كُلوا وتمتّعوا وانهمكوا في الشهوات أياماً قلائل، إنكم مجرمون، وسيندم المفرّط إذا حان وقت الحصاد. وإذا قيل لهم : اخضعوا لمَن يُربيكم ويُرقيكم إلى تلك المراتب العلية المتقدمة للمتقين، لا يخضعون، فالويل لهم على تكذيبهم، فبأي حديث وأيّ طريق بعد هذا يؤمنون، وأيّ طريق يسلكون، وبأيّ كتاب يهتدون ؟ إن حادوا عن طريق السلوك على أيدي الرجال، فماذا بعد الحق إلاّ الضلال. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير