والناشطات نشطا ٢ وبالناشطات نشطا الملائكة التي يخرجون أرواح المؤمنين برفق من نشط الدلو إذا أخرج بلا كره أو من نشط الحبل أو أمده حتى انحل فإن المؤمن كان في مصائب الدنيا كأنه معقود محسوس فالملائكة الناشطات أخلصته وحلت حلا رقيقا كما ينشط العقال من يد البعير كذا حكى القراء، وفي الحديث في حال أرواح المؤمن ( كأنما أنشط من عقال )، عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة تنزل إليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس المطمئنة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال : فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج كأطيب نفحة مسك ) الحديث ( وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا تنزل إليه من السماء ملائكة سوداء الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله قال : فتفرق في جسده فينزعها كما ينزع السفود من الصوت المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسموح ويخرج منها كنتن ريح جيفة ) وفي رواية ( وينزع نفسه –يعني الكافر- مع العروق )(١) رواه أحمد قال البغوي، قال ابن مسعود وينزعها يعني نفس الكافر ملك الموت من تحت كل شعرة ومن الأظافير وأصول القدمين ويرددها في جسده بعدما ينزعها حتى إذا كادت تخرج ردها جسده فهذا عمله بالكافر، وقال مقاتل ملك الموت وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل.
فائدة : ومن ها هنا يظهر أن النفس جسم لطيف على حسب الجسم الكثيف سار في البدن ناشئ من العناصر الأربعة الروح والقلب وغيرهما من لطائف عالم الأمر الجواهر المجردة الإمكانية التي تظهر في النظر الكشف للطافتها وتجردها في عالم المثال فوق العرش، قالت الصوفية إنه بكمال قدرته تعالى جعلت النفس في معاملتها بمنزلة المرآة في مقابلة الشمس في النفس وامتلأت النفس بها كما تمتلئ المرآة بالشمس إذا قوبلت بها وانضاءت كالقمر إذا اتسق بأنوار الشمس على رأي الفلاسفة فحياة البدن بالنفس وحياة النفس بالأرواح المجردة وتنزع النفس من البدن عند أجل مسمى ولا يحل انتزاع الأرواح المجردة بالنفس أبدا كذا ما ورد في الحديث أن النفس ينزع من البدن ويجعل في الأكفان والحنوط والمسوح يسعد بها فيفتح أبواب السماء لنفس المؤمنة إلى السماء السابعة فيقول الله تعالى أكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلفتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ولا يفتح أبواب السماء للكافر بل يطرح روحه إلى الأرض صريح على كونه جسما مخلوقا من الأرض، وعلى هذا التحقيق لا مجال لإنكار عذاب القبر على ما ذهب إليه أهل الهواء مع قطع النظر من البدن الكثيف وعند أهل الحق عذاب القبر يمكن على البدن الكثيف أيضا ولا يمنعه الموت كما مر تحقيقه في سورة البقرة والله تعالى أعلم.
التفسير المظهري
المظهري