ﮢﮣ ﮥﮦ ﮨﮩ ﮫﮬ ﮮﮯ ﮱﯓﯔ ﯖﯗ ﯙﯚﯛ ﯝﯞ ﯠﯡﯢﯣﯤ ﯦﯧﯨﯩ ﯫﯬﯭﯮﯯ ﯱﯲﯳﯴ ﯶﯷﯸ

سورة النازعات
هى مكية، وآيها ست وأربعون، نزلت بعد سورة النبأ.
ووجه اتصالها بما قبلها أنه هناك أنذر بالعذاب يوم القيامة- وهنا أقسم على أن البعث حق لا ريب فيه.
[سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١ الى ١٤]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤)
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩)
يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)
شرح المفردات
والنازعات: أي الكواكب الجاريات على نظام معين فى سيرها كالشمس والقمر، يقال نزعت الخيل: إذا جرت، غرقا: أي مجدّة مسرعة فى جريها، لتقطع مسافة فلكها حتى تصل إلى أقصى المغرب، والناشطات نشطا: أي الخارجات من برج إلى برج، من قولهم: نشط النور إذا خرج، والسابحات سبحا: أي السائرات فى أفلاكها سيرا هادئا لا اضطراب فيه ولا اختلال، وقد جعل مرورها فى جوائها كالسبح فى الماء كما جاء فى قوله: «وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» والسابقات سبقا:

صفحة رقم 21

أي المسرعات عن غيرها فى سبحها، فتتم دورتها حول ما تدور عليه فى مدة أسرع مما يتم غيرها كالقمر فإنه يتم دورته فى شهر قمرى، والأرض تتم دورتها فى سنة شمسية، وهكذا غيرها من السيارات السريعة، ومنها ما لا يتم دورته إلا فى سنين، فالمدبرات أمرا: أي فالكواكب التي تدبر بعض الأمور الكونية فى عالمنا الأرضى بظهور بعض آثارها، فسبق القمر علّمنا حساب شهوره، وله الأثر العظيم فى السحاب والمطر وفى البحر من المدّ والجزر، ولضيائه حين امتلائه فوائد فى تصريف منافع الناس والحيوان، وسبق الشمس فى أبراجها علّمنا حساب الشهور، وسبقها إلى تتميم دورتها السنوية علمنا حساب السنين، وخالف بين فصول السنة، واختلاف الفصول من أسباب حياة النبات والحيوان، وقد نسب إليها التدبير، لأنها أسباب ما نستفيده منها، والمدبر الحكيم: هو الله تعالى جل شأنه.
وترجف: أي تضطرب وتتحرك، والراجفة: الأرض بمن عليها، والرادفة: السماء وما فيها تردفها وتتبعها، فإنها تنشق وتنثر كواكبها، الواجفة: أي الشديدة الاضطراب خاشعة: أي ذليلة، الحافرة: الحياة الأولى، أي الحياة بعد الموت وقد ظنوها حياتهم الأولى، يقال رجع فى حافرته: أي فى طريقه التي جاء فيها، والنخرة: البالية الجوفاء التي تمر فيها الرياح، والكرّة: الرجعة من الكرّ، وهو الرجوع، والخاسرة: هى التي يخسر أصحابها ولا يربحون، والزجرة: الصيحة، والمراد بها النفخة الثانية يبعث بها الأموات، والساهرة: الأرض البيضاء المستوية، لأن السراب يجرى فيها، وسميت بذلك لأن شدة الخوف التي تعترى من عليها تطير النوم من أعينهم فلا يذوقون نوما، فهى ساهرة: أي ساهر من عليها.
المعنى الجملي
بدأ سبحانه هذه السورة بالجلف بأصناف من مخلوقاته- إن ما جاء به رسوله ﷺ من أمر البعث وعرض الخلائق على ربهم، لينال كل عامل جزاء

صفحة رقم 22

عمله- حق لا ريب فيه فى يوم تعظم فيه الأهوال، وتضطرب القلوب، وتخشع الأبصار، ويعجب المبعوثون من عودتهم إلى حياتهم الأولى بعد أن كانوا عظاما نخرة تمر فيها الرياح، ويتحققون أن صفقتهم كانت خاسرة، إذا أنهم أنكروا فى الدنيا معادهم، ويجابون على تعجبهم بألا يحسبوا أن الإحياء صعب على الله، فما الأمر عنده إلا صيحة واحدة، فإذا الناس جميعا ظاهرون فى أرض المعاد.
لو تدبرنا أمر القسم ببعض المخلوقات فى الكتاب الكريم لوجدناه يرجع إلى أحد أمرين:
(١) أن تكون هذه المخلوقات قد عظمت فى أعين بعض الناس، وقوى سلطانها فى نفوسهم، حتى عبدوها واتخذوها آلهة من دون الله كالشمس والقمر فى نحو قوله:
«وَالشَّمْسِ وَضُحاها. وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها» وقد ذكر سبحانه بجانب ذلك بعض صفاتها الدالة على أنها مخلوقة له كتغيرها من حال إلى حال، وما يطرأ عليها من الأفول والزوال، مما لا يكون من شأن الآلهة المستحقة للعبادة.
(٢) أن تكون مما احتقره الناس لغفلتهم عن فائدته، وذهولهم عن موضع العبرة فيه، ولو أنهم تدبروا فيما هو عليه من جليل الصنعة، وبديع الحكمة لاهتدو إلى معرفة خالقة، ونعتوه بما هو أهل له من صفات الجلال والكمال.
فأقسم سبحانه على التوحيد فى قوله: «وَالصَّافَّاتِ صَفًّا. فَالزَّاجِراتِ زَجْراً. فَالتَّالِياتِ ذِكْراً. إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ».
وأقسم على أن الرسول حق بقوله: «وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ».
وأقسم إن القرآن حق فى قوله: «فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ».

صفحة رقم 23

وحلف إن الجزاء حق، وإن الناس سيبعثون إلى ربهم، وإن كلا منهم سيلاقى جزاء عمله كما قال: «وَالذَّارِياتِ ذَرْواً. فَالْحامِلاتِ وِقْراً. فَالْجارِياتِ يُسْراً. فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً. إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ. وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ».
الإيضاح
(وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً. وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً. وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً. فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً. فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً) افتتح سبحانه هذه السورة بالقسم بالكواكب والنجوم والشموس والأقمار، إظهارا لعظم شأنها، وإتقان نظامها، وغزارة فوائدها، وأنها مسخرة لبارئها، خاضعة لأمره- لتبثنّ بعد الموت، ويدل على هذا ما حكاه عنهم بعد من قولهم:
«أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً؟» أي أنبعث إذا صرنا كذلك؟.
(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) أي حين تتحرك الأرض وتضطرب الجبال، فيسمع لها صوت شديد.
ونحو الآية قوله: «يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ».
(تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) أي تتلوها السماء بما فيها من كواكب، إذ تنشق وتنثر كواكبها إثر اضطراب الأرض وميدانها.
عن أبىّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ربع الليل قام فقال: أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» أخرجه أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهم.
وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ترجف الأرض رجفا وتزلزل بأهلها، وهى التي يقول الله فيها- يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ».
(قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ) أي قلوب يومئذ مضطربة قلقة خائفة، والمراد بها

صفحة رقم 24

قلوب الكفار، ذاك أنهم بعد أن عاينوا ما كان الرسول ﷺ يذكره لهم ويشاهدونه فى دنياهم ولم يؤمنوا به، تضطرب نفوسهم، مخافة أن يحل بهم ما أنذروا به، كما هى حال من تهدده بعقوبة إن لم يقلع عن جرائره- يهلع قلبه إن شاهد بوادر التنفيذ.
(أَبْصارُها خاشِعَةٌ) أي أبصار أصحابها خاشعة تظهر فيها الذلة والخوف.
وقد حكى الله عنهم أقوالا ثلاثة استبعدوا بها أمر البعث، واستهزءوا فيها بالرسول والمؤمنين.
(١) (يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ؟) أي يقول هؤلاء المكذبون بالبعث من مشركى قريش إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد الموت: أإنا لمردودون إلى حالنا الأولى قبل الممات، فراجعون أحياء كما كنا قبل مماتنا.
وتقول العرب لكل من كان فى أمر ثم خرج منه ثم عاد إليه: قد رجع إلى حافرته: أي إلى أمره الذي كان فيه أوّلا.
(٢) (أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً؟) أي أنردّ إلى الحياة بعد أن نصير عظاما بالية لو لمست لتفتّت؟
(٣) و (قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ) أي إن صح ما قلتم من البعث يوم القيامة بعد أن نصير عظاما نخرة، فنحن إذا خاسرون، لأنا كذبنا به ولم نأخذ العدّة له، فياويلنا فى هذا اليوم! وهذا منهم استهزاء وتهكم، اعتقادا منهم أن ذلك لن يكون.
وقد ردّ الله عليهم مقالتهم بقوله:
(فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) أي لا تستبعدوا ذلك وتظنوه عسيرا شاقّا علينا، فإنما هى صيحة واحدة، وهى النفخة الثانية التي يبعث الله بها الموتى فإذا الناس كلهم على سطح الأرض أحياء.

صفحة رقم 25

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

أحمد بن مصطفى المراغي

الناشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة الأولى، 1365 ه - 1946 م
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية