ﮰﮱﯓﯔ

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) وقرئ (لمن ترى) فتضيف الرؤية إلى الجحيم؛ كقوله: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِمَن يَرَى) جائز أن تكون الرؤية كناية عن الحضور والدخول؛ فيكون قوله: (لِمَن يَرَى) أي: لمن يدخلها ويحضرها، وهو كقوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، ومعناه: أن رحمة اللَّه للمحسنين، وقال تعالى: (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)، وأريد بالقرب: التناول؛ فكنى عنه بالقرب؛ فجائز أن تكون الرؤية هاهنا كناية عن الدخول والحضور؛ فيكون فيه إخبار عن إحاطة العذاب بجميع أبدانهم.
وجائز أن يكون أهل الرؤية هم أهل الجنة، فيرونها مشاهدة؛ فيتلذذون بذلك لما نجوا وفازوا بالنعيم، كما تألموا بذكرها عندما كانت غائبة لا يرونها؛ قال اللَّه تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، وقالوا: (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) أي: عصى، وتمرد.
أو طغى بأنعم اللَّه - تعالى - فاستعملها في معاصيه، أو جاوز حدود اللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) جائز أن يكون إيثاره أن يبتغي بمحاسنه الحياة الدنيا حتى أنساه ذلك عن الآخرة، وإذا ابتغى بها الحياة الدنيا، لم يبق له في الآخرة نصيب؛ لأنه قد وفي له عمله؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) أي: يأوي إليها.
وقوله - تعالى -: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ... (٤٠):
جائز أن يكون أريد بالمقام حساب ربه أو مقامه عند ربه، فأضيف إلى اللَّه تعالى؛ لأن البعث مضاف إليه، فكل أحواله أضيف إليه أيضا.
وجائز أن يكون الخوف راجعا إلى الحالة التي هو فيها؛ فيخاف أن يكون مقامه في موضعٍ نَهَى اللَّه تعالى عن المقام فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)، ليس هذا نهيَ قول، وإنما نهيه إياها أن يكفها عن شهواتها ولذاتها، وكفها أن يشعرها عذاب الآخرة، ويخوفها آلامها وعقابها، فإذا فعل ذلك سهل عليها ترك الشهوات الحاضرة، وسهل عليها العمل للآخرة، والناس في نهي النفس عن هواها على ضربين:

صفحة رقم 414

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية