( ١ ) الفتنة : هنا بمعنى الفساد والخلاف والنزاع.
في هذه الآيات :
١ ـ نداء موجه إلى المؤمنين يؤمرون فيه بإطاعة الله ورسوله، وينهون عن الانصراف عنه وعدم الأبوه لأوامره وهم يسمعونها عنه، ويحذرون من أن يكونوا كالذين يقولون سمعنا وهم لا يسمعون فلا يستجيبون إلى ما يسمعون.
٢ ـ ونعي على الذين لا يستجيبون إلى دعوة الحق ولا يقبلونها. فشرّ الناس عند الله هم الذين بعدم استماعهم للحق وانصياعهم له كالدواب والصم والبكم الذين لا يسمعون ولا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم. ولكنهم في حالتهم هذه قد فقدوا كل قابلية للخير والانصياع للحق، فلو سمعوا لما استجابوا ولانصرفوا عن النداء وأعرضوا.
٣ ـ ونداء آخر موجه إلى المؤمنين يؤمرون فيه الاستجابة إلى الله ورسوله إذا ما دعاهم الرسول وبلغهم دعوة الله إلى ما فيه حياتهم ومصلحتهم. ويحذرون من أن الله يحول بين المرء وقلبه وينذرون بأنهم محشورون إليه ليؤدوا حساب أعمالهم.
٤ ـ ودعوة للمؤمنين إلى اجتناب الفتنة. والتعاون على درئها. وتخويف من نتائجها فهي لا تصيب بشرها الظالمين الذين يثيرونها فقط، ولكنها كثيرا ما تكون عامة الضرر، وتنبيه على أن الله شديد العقاب يجب الحذر منه وعدم المخالفة لأوامره.
٥ ـ وتذكير بما كانت عليه حالتهم، وبما صارت إليه بفضل الله، تذكيرا ينطوي فيه تدعيم لواجب الاستماع والطاعة عليهم. فلقد كانوا قليلين ضعفاء في خوف دائم من أذى الكفار وبغيهم فآواهم الله إلى ساحة الأمن والطمأنينة، وجعلهم أقوياء بعد ضعف وأعزاء بعد هوان، وأيدهم بنصره، ورزقهم من الطيبات. وكل ذلك يتطلب منهم الشكر له وطاعته وطاعة رسوله والانصياع لأوامرهما ونواهيهما.
تعليق على ما روي في صدد الآية
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( ٢٤ )
وما بعدها إلى الآية [ ٢٦ ]
من روايات وأقوال وما فيها من تلقينات
روى بعض المفسرين أن الآيتين [ ٢٢ و ٢٣ ] نزلتا في بني عبد الدار الذين لم يكن أسلم منهم أحد إلا مصعب بن عمير. أو في النضر بن الحرث الذي كان يقول للناس : أنا أحدثكم بأحسن مما يحدثكم محمد. وروى بعضهم في صدد الآية [ ٢٥ ] أن الزبير بن العوام قال : قد قرأنا هذه الآية زمنا وما نرانا من أهلها، فإذا نحن المعنون بها مشيرا بذلك إلى ما تورط به هو وغيره فيه من الفتن في زمن عثمان بن عفان وبعده، ومما رواه بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حينما نزلت هذه الآية :( من ظلم عليا بعد وفاتي فكأنما جحد بنبوتي ونبوة الأنبياء من قبلي )١.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح. والذي يتبادر لنا أن الآيات متصلة بالسياق نظما وموضوعا وبظروف وقعة بدر وموقف بعض المسلمين فيها ومعقبة عليه. وهذا ما تلهمه روح الآيات التي تؤكد وجوب طاعة الله ورسوله واتقاء الفتن والخلاف وعدم التردد في الاستجابة إلى ما يدعوهم إليه الله ورسوله وفيه خيرهم وحياتهم. وتحذير من عدم الانصياع ومن نتائج ذلك. وإنها لتلهم هي والآيات السابقة أن موقف بعض المسلمين من النبي وأوامره قبل المعركة، ثم حول قسمة الغنائم كانا مؤلمين له صلى الله عليه وسلم وكادا يثيران فتنة بين المسلمين في الوقت نفسه فاقتضت حكمة التنزيل الإيحاء بها بالأسلوب الشديد الذي جاءت به مهددة منذرة منبهة. ونرجح أن تكون نزلت هي وما قبلها دفعة واحدة أو متتابعة.
أما الروايات المروية في صدد صلة الآيات بالفتنة المريرة في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما فإن أثر الفتنة ظاهر فيها ويسوغ التوقف في صحتها أو القول : إنها أخذت على ذلك بعد وقوع الفتن من قبيل التطبيق ورائحة الهوى والوضع الشيعيين عاقبة في الحديث الذي يرويه الطبرسي عن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن علي رضي الله عنه.
ولقد أورد الطبرسي مع الحديث المذكور حديثا آخر معزوا إلى أبي أيوب الأنصاري ويرويه رواة شيعيون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمّار :" يا عمّار إنه سيكون بعدي هنات، حتى يختلف السيف فيما بينهم، وحتى يقتل بعضهم بعضا، وحتى يبرأ بعضهم من بعض. فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني علي بن أبي طالب. فإن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي. وخل الناس يا عمار. إن عليا لا يردك عن هوى ولا يدلك على ردى. يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله ". وأثر الصنع الحزبي بارز لذلك بقوة على هذا الحديث أيضا.
ولقد قال بعض المفسرين٢ في تأويل جملة وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ إن الله قد يميتكم بغتة فتفوتكم فرصة الطاعة والاستجابة لله والرسول. وذلك بسبيل الحثّ على المسارعة إلى الطاعة والاستجابة. وقال آخرون : إنها من قبيل ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ ق : ١٦ ] وإنها بمعنى أن الله يحول بين عقله وماذا يعمل فيتركه في حيرة، أو أنه يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان٣. والقول الأول هو الأوجه كما يتبادر لنا، وما يتبادر لنا أن يكون انطوى في الجملة تنبيه بأن الله قد يبتلي المترددين المتأخرين في الاستجابة والطاعة فتقسو قلوبهم ويفقدون قابلية الخير والانصياع للحق. وعلى كل حال فالجملة تستهدف الحثّ على الإسراع للاستجابة والطاعة كما يتضح من الإمعان في السياق.
وقد قال بعض المفسرين٤ في تأويل جملة وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ : إنها بمعنى لو كان الله يعلم فيهم قبولا للهدى وإقبالا على الحق لأسمعهم ما ينصرفون عن سماعه. وقال بعضهم : إنها بمعنى أن الله لو علم فيهم استعدادا للسمع لأسمعهم الجواب عن كل ما سألوا٥. وكلا التأويلين وجيه. ومما يتبادر لنا أن الجملة هي بشأن بيان حالة الصم البكم الممثلة بهم حالة الفئة المقصودة التي تقول سمعنا وهم لا يسمعون، وأنها بسبيل تقرير أن الله يعلم أن الصم والبكم لا يمكن أن يسمعوا ولو سمعوا صوتا ما لا يمكن أن يعقلوه ويردوا عليه. وأن هذه الفئة المقصودة مما انطوى في نفوسها خبث وسوء نيّة وعناد لا يمكن أن تسمع ولو سمعت لا يمكن أن تعقل ؛ لأنها كالصم البكم الذين لا يسمعون ولا يعقلون. أما الفئة المقصودة فالغالب أنها المنافقون والذين في قلوبهم مرض. فهم الذين يقولون سمعنا وأطعنا. وحقيقة حالهم هي أنهم لم يؤمنوا ولم يسمعوا ولم يطيعوا.
ومع خصوصية موضوع الآيات وظروفها فإنها تنطوي على حكم جليلة مستمرة التلقين.
فمن واجب المؤمنين أن يسيروا في نطاق أوامر الله ورسوله ونواهيهما، وألا يكابروا في الحق ويترددوا في تأييده والانصياع له.
ومن واجبهم أن يقفوا في وجه الفتن والمنكرات والفساد، ويتعاونوا على درئها وكبح جماح مثيريها ؛ لأن نتائجها لا تنحصر في المثيرين لها وإنما تشمل غيرهم ممن ليس له يد فيها ولا دخل.
وجملة لما يحييكم ذات مغزى تلقيني عظيم بنوع خاص ؛ حيث يمكن أن يستنبط منها أنه ليس للسلطان في الإسلام أن يدعو المسلمين لغير ما فيه خيرهم ومصلحتهم وصلاحهم، وأنه ليس عليهم واجب الإجابة والطاعة له إذا خرج عن هذا النطاق. وهناك حديث يرويه الخمسة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد لذلك جاء فيه :( السمع والطاعة على المرء المسلم في ما أحب أو كره. ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )٦.
ولقد أورد ابن كثير على هامش الآية [ ٢٥ ] خاصة أحاديث نبوية عديدة بسبيل تأويلها وتوضيح مداها والتحذير من الفتن وعواقبها أخرجها الإمام أحمد منها حديث جاء فيه :" إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الله الخاصة والعامة ". ومنها حديث جاء فيه " إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمّهم الله بعذاب من عنده " فقالت أم سلمة التي يروى عنها الحديث :" يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون ؟ قال : بلى، قالت : فكيف يصنع أولئك ؟ قال : يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان ". ومنها حديث جاء فيه " ما من قوم يعملون بالمعاصي وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيره إلا عمّهم الله بعقاب أو أصابهم العقاب ".
وهناك أحاديث وردت في كتب الصحاح قوية المدى في بابها منها حديث رواه أصحاب السنن عن أبي بكر قال :( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب )٧. وحديث رواه الترمذي والطبري عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم )٨.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ( ٢٠ ) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ( ٢١ ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ( ٢٢ ) وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ( ٢٣ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( ٢٤ ) وَاتَّقُواْ فِتْنَةً ( ١ ) لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( ٢٥ ) وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( ٢٦ ) [ ٢٠ ـ ٢٦ ].
في هذه الآيات :
١ ـ نداء موجه إلى المؤمنين يؤمرون فيه بإطاعة الله ورسوله، وينهون عن الانصراف عنه وعدم الأبوه لأوامره وهم يسمعونها عنه، ويحذرون من أن يكونوا كالذين يقولون سمعنا وهم لا يسمعون فلا يستجيبون إلى ما يسمعون.
٢ ـ ونعي على الذين لا يستجيبون إلى دعوة الحق ولا يقبلونها. فشرّ الناس عند الله هم الذين بعدم استماعهم للحق وانصياعهم له كالدواب والصم والبكم الذين لا يسمعون ولا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم. ولكنهم في حالتهم هذه قد فقدوا كل قابلية للخير والانصياع للحق، فلو سمعوا لما استجابوا ولانصرفوا عن النداء وأعرضوا.
٣ ـ ونداء آخر موجه إلى المؤمنين يؤمرون فيه الاستجابة إلى الله ورسوله إذا ما دعاهم الرسول وبلغهم دعوة الله إلى ما فيه حياتهم ومصلحتهم. ويحذرون من أن الله يحول بين المرء وقلبه وينذرون بأنهم محشورون إليه ليؤدوا حساب أعمالهم.
٤ ـ ودعوة للمؤمنين إلى اجتناب الفتنة. والتعاون على درئها. وتخويف من نتائجها فهي لا تصيب بشرها الظالمين الذين يثيرونها فقط، ولكنها كثيرا ما تكون عامة الضرر، وتنبيه على أن الله شديد العقاب يجب الحذر منه وعدم المخالفة لأوامره.
٥ ـ وتذكير بما كانت عليه حالتهم، وبما صارت إليه بفضل الله، تذكيرا ينطوي فيه تدعيم لواجب الاستماع والطاعة عليهم. فلقد كانوا قليلين ضعفاء في خوف دائم من أذى الكفار وبغيهم فآواهم الله إلى ساحة الأمن والطمأنينة، وجعلهم أقوياء بعد ضعف وأعزاء بعد هوان، وأيدهم بنصره، ورزقهم من الطيبات. وكل ذلك يتطلب منهم الشكر له وطاعته وطاعة رسوله والانصياع لأوامرهما ونواهيهما.
تعليق على ما روي في صدد الآية
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( ٢٤ )
وما بعدها إلى الآية [ ٢٦ ]
من روايات وأقوال وما فيها من تلقينات
روى بعض المفسرين أن الآيتين [ ٢٢ و ٢٣ ] نزلتا في بني عبد الدار الذين لم يكن أسلم منهم أحد إلا مصعب بن عمير. أو في النضر بن الحرث الذي كان يقول للناس : أنا أحدثكم بأحسن مما يحدثكم محمد. وروى بعضهم في صدد الآية [ ٢٥ ] أن الزبير بن العوام قال : قد قرأنا هذه الآية زمنا وما نرانا من أهلها، فإذا نحن المعنون بها مشيرا بذلك إلى ما تورط به هو وغيره فيه من الفتن في زمن عثمان بن عفان وبعده، ومما رواه بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حينما نزلت هذه الآية :( من ظلم عليا بعد وفاتي فكأنما جحد بنبوتي ونبوة الأنبياء من قبلي )١.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح. والذي يتبادر لنا أن الآيات متصلة بالسياق نظما وموضوعا وبظروف وقعة بدر وموقف بعض المسلمين فيها ومعقبة عليه. وهذا ما تلهمه روح الآيات التي تؤكد وجوب طاعة الله ورسوله واتقاء الفتن والخلاف وعدم التردد في الاستجابة إلى ما يدعوهم إليه الله ورسوله وفيه خيرهم وحياتهم. وتحذير من عدم الانصياع ومن نتائج ذلك. وإنها لتلهم هي والآيات السابقة أن موقف بعض المسلمين من النبي وأوامره قبل المعركة، ثم حول قسمة الغنائم كانا مؤلمين له صلى الله عليه وسلم وكادا يثيران فتنة بين المسلمين في الوقت نفسه فاقتضت حكمة التنزيل الإيحاء بها بالأسلوب الشديد الذي جاءت به مهددة منذرة منبهة. ونرجح أن تكون نزلت هي وما قبلها دفعة واحدة أو متتابعة.
أما الروايات المروية في صدد صلة الآيات بالفتنة المريرة في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما فإن أثر الفتنة ظاهر فيها ويسوغ التوقف في صحتها أو القول : إنها أخذت على ذلك بعد وقوع الفتن من قبيل التطبيق ورائحة الهوى والوضع الشيعيين عاقبة في الحديث الذي يرويه الطبرسي عن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن علي رضي الله عنه.
ولقد أورد الطبرسي مع الحديث المذكور حديثا آخر معزوا إلى أبي أيوب الأنصاري ويرويه رواة شيعيون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمّار :" يا عمّار إنه سيكون بعدي هنات، حتى يختلف السيف فيما بينهم، وحتى يقتل بعضهم بعضا، وحتى يبرأ بعضهم من بعض. فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني علي بن أبي طالب. فإن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي. وخل الناس يا عمار. إن عليا لا يردك عن هوى ولا يدلك على ردى. يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله ". وأثر الصنع الحزبي بارز لذلك بقوة على هذا الحديث أيضا.
ولقد قال بعض المفسرين٢ في تأويل جملة وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ إن الله قد يميتكم بغتة فتفوتكم فرصة الطاعة والاستجابة لله والرسول. وذلك بسبيل الحثّ على المسارعة إلى الطاعة والاستجابة. وقال آخرون : إنها من قبيل ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ ق : ١٦ ] وإنها بمعنى أن الله يحول بين عقله وماذا يعمل فيتركه في حيرة، أو أنه يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان٣. والقول الأول هو الأوجه كما يتبادر لنا، وما يتبادر لنا أن يكون انطوى في الجملة تنبيه بأن الله قد يبتلي المترددين المتأخرين في الاستجابة والطاعة فتقسو قلوبهم ويفقدون قابلية الخير والانصياع للحق. وعلى كل حال فالجملة تستهدف الحثّ على الإسراع للاستجابة والطاعة كما يتضح من الإمعان في السياق.
وقد قال بعض المفسرين٤ في تأويل جملة وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ : إنها بمعنى لو كان الله يعلم فيهم قبولا للهدى وإقبالا على الحق لأسمعهم ما ينصرفون عن سماعه. وقال بعضهم : إنها بمعنى أن الله لو علم فيهم استعدادا للسمع لأسمعهم الجواب عن كل ما سألوا٥. وكلا التأويلين وجيه. ومما يتبادر لنا أن الجملة هي بشأن بيان حالة الصم البكم الممثلة بهم حالة الفئة المقصودة التي تقول سمعنا وهم لا يسمعون، وأنها بسبيل تقرير أن الله يعلم أن الصم والبكم لا يمكن أن يسمعوا ولو سمعوا صوتا ما لا يمكن أن يعقلوه ويردوا عليه. وأن هذه الفئة المقصودة مما انطوى في نفوسها خبث وسوء نيّة وعناد لا يمكن أن تسمع ولو سمعت لا يمكن أن تعقل ؛ لأنها كالصم البكم الذين لا يسمعون ولا يعقلون. أما الفئة المقصودة فالغالب أنها المنافقون والذين في قلوبهم مرض. فهم الذين يقولون سمعنا وأطعنا. وحقيقة حالهم هي أنهم لم يؤمنوا ولم يسمعوا ولم يطيعوا.
ومع خصوصية موضوع الآيات وظروفها فإنها تنطوي على حكم جليلة مستمرة التلقين.
فمن واجب المؤمنين أن يسيروا في نطاق أوامر الله ورسوله ونواهيهما، وألا يكابروا في الحق ويترددوا في تأييده والانصياع له.
ومن واجبهم أن يقفوا في وجه الفتن والمنكرات والفساد، ويتعاونوا على درئها وكبح جماح مثيريها ؛ لأن نتائجها لا تنحصر في المثيرين لها وإنما تشمل غيرهم ممن ليس له يد فيها ولا دخل.
وجملة لما يحييكم ذات مغزى تلقيني عظيم بنوع خاص ؛ حيث يمكن أن يستنبط منها أنه ليس للسلطان في الإسلام أن يدعو المسلمين لغير ما فيه خيرهم ومصلحتهم وصلاحهم، وأنه ليس عليهم واجب الإجابة والطاعة له إذا خرج عن هذا النطاق. وهناك حديث يرويه الخمسة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد لذلك جاء فيه :( السمع والطاعة على المرء المسلم في ما أحب أو كره. ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )٦.
ولقد أورد ابن كثير على هامش الآية [ ٢٥ ] خاصة أحاديث نبوية عديدة بسبيل تأويلها وتوضيح مداها والتحذير من الفتن وعواقبها أخرجها الإمام أحمد منها حديث جاء فيه :" إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الله الخاصة والعامة ". ومنها حديث جاء فيه " إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمّهم الله بعذاب من عنده " فقالت أم سلمة التي يروى عنها الحديث :" يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون ؟ قال : بلى، قالت : فكيف يصنع أولئك ؟ قال : يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان ". ومنها حديث جاء فيه " ما من قوم يعملون بالمعاصي وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيره إلا عمّهم الله بعقاب أو أصابهم العقاب ".
وهناك أحاديث وردت في كتب الصحاح قوية المدى في بابها منها حديث رواه أصحاب السنن عن أبي بكر قال :( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب )٧. وحديث رواه الترمذي والطبري عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم )٨.
التفسير الحديث
دروزة