وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، قال ابن عباس: يريد بقوته (١)، وقال السدي: وأيدكم بالأنصار (٢)، وقال الكلبي والكناني: وأيدكم بنصره يوم بدر بالملائكة (٣).
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ يعني الغنائم ببدر في قول ابن عباس (٤) والكلبي (٥) والكناني (٦)، يريد أحلّها لكم ولم تحل لأحد قبلكم.
وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، قال عطاء: يريد: كي تطيعوا (٧)، قال أهل المعاني: وهذا تذكير بالنعمة في تقويتهم بعد الضعف، وأمنهم بعد الخوف، ونصرهم على أعدائهم، وبسط أرزاقهم (٨).
٢٧ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ الخون
(١) رواه الفيروزأبادي ص ١٨٠ بلفظ: أعانكم وقواكم بنصرته يوم بدر.
(٢) رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٠ بمعناه، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٣٢٢، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
(٣) رواه البغوي ٣/ ٣٤٧ عن الكلبي، وكذلك المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٤٥٣، ونسبه ابن الجوزي ٣/ ٣٤٣ إلى الجمهور.
(٤) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص ١٨٠، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" ٤/ ٤٨٥.
(٥) رواه البغوي ٣/ ٣٤٧.
(٦) لم أجد من ذكره عنه.
(٧) لم أجد من ذكره عنه.
(٨) لم أجده فيما بين يدي من كتب أهل المعاني، وانظر معناه في: "تفسير ابن جرير" ٩/ ٢١٩، و"البحر المحيط" ٤/ ٤٨٥.
والخيانة والمخانة: خون الحق (١) الذي قد ضمن فيه التأدية، وخان: يتعدى إلى مفعولين، نحو: اعطى، ويجوز أن يقتصر على أحدهما، ويدلك على تعدي (خان) إلى مفعولين قول أوس:
| خانتك ميّة ما علمت كما | خان الإخاء خليلَه لبد (٢) |
(٢) "ديوانه" ص ٢٢. قال ابن منظور: لبد: اسم آخر نسور لقمان بن عاد وتزعم العرب أن لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها، فلما أُهلكوا خُيّر لقمان بين بقاء سبع بَعْرات سمْر، من أظْبٍ عفر، في جبل وعر، لا يسمها القطر، أو بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر خلص بعده نسر، فاختار النسور، فكان آخر نسوره يسمى لبدًا، وقد ذكرته الشعراء. "لسان العرب" (لبد) ٧/ ٣٩٨٤.
(٣) ذكرها ابن الجوزي ٣/ ٣٤٤، وأبو حيان ٤/ ٤٨٦، ورواها مختصرة الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص ١٨٠ من رواية الكلبي.
(٤) رواه عنه ابن جرير ٩/ ٢٢١، والثعلبي ٦/ ٥٣ ب، ورواه مختصراً مالك في "الموطأ" ص ٣٢١، ورواه عن الزهري، عن كعب بن مالك الإمام الصنعاني في "المصنف" ٥/ ٤٠٧.
(٥) رواه الثعلبي ٦/ ٥٣ ب، ورواه مختصرًا الفيروزأبادي ص١٨٠ عنه عن ابن عباس.
(٦) رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٤، وابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" ٣/ ٢٥٤، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وسعيد بن منصور وأبي الشيخ.
(٧) في (ح): (بن أبي، وقتادة)، وهو خطأ وما أثبته موافق للمصادر السابقة، وهو عبد الله بن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري السلمي المدني تابعي ثقة قليل الحديث، توفي سنة ٩٩ هـ. انظر: "التاريخ الكبير" ١/ ٣/ ١٧٥، و"الكاشف" ١/ ٥٨٦، و"تهذيب التهذيب" ٢/ ٤٠٤.
(٨) هو: أبو لبابة بن عبد المنذر الأوسي الأنصاري أحد نقباء الأنصار، شهد بيعة =
- ﷺ - إلى قريظة لما حاصرهم، وكان أهله وولده فيهم قالوا: يا أبا لبابة ما ترى لنا؟ أننزل على حكم سعد فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، أي: إنه الذبح فلا تفعلوا، فكانت تلك منه خيانة لله ورسوله (١).
وقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من رسول الله - ﷺ - فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك (٢).
وقال ابن زيد: نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون؛ يظهرون الإيمان ويسرون الكفر (٣)، ونحو هذا قال محمد بن إسحاق، أي: لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم ثم تخالفونه (٤) في السر إلى غيره (٥).
انظر: "أسد الغابة" ٥/ ٢٨٤، و"الإصابة" ٤/ ١٦٨، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٧٨.
(١) جميع روايات الأثر التي ذكرها المؤلف ضعيفة، فروايتا عطاء والكلبي عن ابن عباس ساقطتان، وروايتا الزهري وابن أبي قتادة مرسلتان، وقد رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٥/ ٤٠٦، عن الزهري، عن كعب بن مالك، والزهري لم يدرك كعبًا الذي مات سنة ٤٠ هـ، والزهري ولد سنة ٥٠ هـ. على أقل تقدير.
انظر: "تهذيب التهذيب" ٨/ ٣٨٤، ٩/ ٣٨٧، وقال ابن جرير ١٣/ ٤٨٣: جائز أن تكون نزلت في أبي لبابة، وجائز أن تكون نزلت في غيره، ولا خبر عندنا بأي ذلك كان يجب التسليم له بصحته.
(٢) رواه ابن جرير ١٣/ ٤٨٣ مختصرًا.
(٣) رواه مختصرًا ابن جرير ١٣/ ٤٨٣.
(٤) في "السيرة النبوية": تخالفوه اهـ. وهو الصواب لأنه معطوف على الفعل المجزوم.
(٥) "السيرة النبوية" ٢/ ٦٦٩.
وقال ابن عباس: لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته (١).
وقوله تعالى: وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ، قال الفراء: إن شئت جعلت (وتخونوا) جزمًا على النهي، وإن شئت جعلته صرفًا (٢) ونصبته كقول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله (٣) (٤)
والجزم مذهب الأخفش (٥) (٦)، ويدل على صحته ما روي في حرف
(٢) الصرف: أن يصرف المتكلم الفعل الثاني عن معنى الفعل الأول المتقدم عليه، وانظر: "سر صناعة الإعراب" ١/ ٢٧٥، وقال الفراء في "معاني القرآن" ١/ ٣٣: فإن قلت: وما الصرف؟ قلت: أن تأتي بالواو معطوفة على كلام في أوله حادثة لا تستقيم إعادتها على ما عطف عليها، فإذا كان كذلك فهو الصرف.
(٣) هذا صدر بيت، وعجزه:
عار عليك إذا فعلت عظيم
وقد اختلف في قائله، فقيل: هو الأخطل، وهذا رأي سيبويه في "الكتاب" ٣/ ٤٢، وقيل: المتوكل الليثي، وقيل: الطرماح بن حكيم، وقيل: سابق البربري، انظر: "الخزانة" ٨/ ٥٦٤، و"معجم شواهد العربية" ٢/ ٨٨٧.
قال في خزانة الأدب، الموضع السابق: والصحيح أنه لأبي الأسود الدؤلي اهـ. وهو في "ديوانه" ص ٤٠٤، ونسب إليه في "شرح التصريح" ٢/ ٢٣٨، و"شرح شذور الذهب" ص ٣١٠، و"همع الهوامع" ٢/ ١٣.
(٤) انظر: "معاني القرآن" ١/ ٤٠٨ بتصرف.
(٥) هو: أبو الحسن سعيد بن مسعدة. تقدمت ترجمته.
(٦) ذكر مذهبه هذا الثعلبي ٦/ ٥٤ أ، ولم يتعرض الأخفش لتفسير الآية في كتابه "معاني القرآن"، ولكنه ذكر رأيه في مثلها وهي قوله تعالى: وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [البقرة: ٤٢]، هو في هذه المواضع يذهب إلى جواز =
عبد الله، (ولا تخونوا أماناتكم) (١)، وقد ذكرنا الوجهين بالشرح في قوله: وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [البقرة: ٤٢].
وذهبت طائفة إلى أن قوله: وَتَخُونُوا جواب للنهي بالواو (٢)، والعرب تجاوب بالواو كما تجاوب بالفاء (٣)، ومنهم من يجعل الواو بدلاً من الفاء، وكلا الوجهين قد شرحنا في قوله: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا [الأنعام: ٢٧]، في قراءة من قرأ بالنصب (٤).
والأمانة هاهنا: مصدر سمي به المفعول (٥) ولذلك جمع، قال ابن عباس في رواية الوالبي: الأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني الفرائض، يقول: لا تنقصوها (٦) (٧).
(١) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٤٠٨، و"تفسير الرازي" ١٥/ ٥٢، ولم يشر إليها أصحاب القراءات الشاذة.
(٢) ساقط من (م).
(٣) ذكر هذا القول الثعلبي ٦/ ٥٤ أ، ومكي في "مشكل إعراب القرآن" ص ٣١٤، والرازي ١٥/ ١٥٢، وأبو حيان ٤/ ٤٨٦.
(٤) وهي قراءة حفص وحمزة ويعقوب، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص ١٤٣، و"إرشاد المبتدئ" ص ٣٠٧، و"تحبير التيسير" ص ١٠٨.
(٥) ساقط من (ح).
(٦) في (ح): (لا تنقضوها)، وكذلك في "تفسير الثعلبي" وابن كثير، وما أثبته موافق لمصادر تخريجه عدا الثعلبي وابن كثير.
(٧) رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٤، والثعلبي ٦/ ٥٤ أ، وانظر: =
وقال الكلبي: أما خيانة الله ورسوله: فمعصية الله ورسوله، وأما خيانة الأمانة: فكل أحد مؤتمن على ما افترض الله عليه إن شاء خانها، وإن شاء أداها لا يطلع عليه أحد إلا الله (١).
وقال قتادة في قوله: وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ إن دين الله أمانة (٢)، فأدوا إلى الله ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده (٣).
وهذه الأقوال توجه على قول من قال: موضع (٤) وَتَخُونُوا جزم وعلى هذا الوجه قول ابن زيد: وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ قال: يعني دينكم، وقد فعل ذلك المنافقون (٥).
وقال السدي: إذا خانوا الله ورسوله فقد خانوا أماناتهم (٦)، وهذا يتوجه على قول من يقول بالصرف، أو يجعل الواو جوابًا للنهي، بمعنى: لا تخونوا الله والرسول فتخونوا أماناتكم، أي إنكم إذا خنتم الرسول فقد خنتم أماناتكم.
واختار أبو علي الجزم وقال: يمكن أن يكون هذا من باب حذف المضاف، فيكون المعنى: ولا تخونوا ذوي أماناتكم، قال: وهذا أشبه بما
(١) انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" للشيخ هود بن محكم ٢/ ٢٩.
(٢) في (ح)، و (س): هي أمانة، وأثبت ما في (م) لموافقته لما في المصدرين التاليين.
(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٥٤ ب، والبغوي ٣/ ٣٤٨.
(٤) في (س): (في قول من قال في موضع)، وهو خطأ.
(٥) رواه ابن جرير ١٣/ ٤٨٥، وابن أبي حاتم ٣/ ٢٣٨ ب، والثعلبي ٦/ ٥٤ أ.
(٦) رواه ابن جرير ١٣/ ٤٨٤، والثعلبي ٦/ ٥٤ أ، والبغوي ٣/ ٣٤٨.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي