المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه حال من يصر على الكفر والصد عن سبيل الله وقتال رسوله والمؤمنين وعاقبة أعمالهم في الدنيا والآخرة ـ قفى على ذلك ببيان من يرجعون عنه ويدخلون في الإسلام لأن الأنفس في حاجة إلى هذا البيان فقال : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف .
الإيضاح : وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير أي وإن أعرضوا عن سماع تبليغكم ولم ينتهوا عن كفرهم وفتنتهم وقتالهم لكم فأيقنوا بنصر الله ومعونته لكم وهو متولي أموركم فلا تبالوا بهم ولا تخشوا بطشهم، وهو نعم المولى ونعم النصير فلا يضيع من تولاه ولا يغلب من نصره.
وما غلب المسلمون في العصور الأخيرة وذهب أكثر ملكهم إلا لأنهم تركوا الاهتداء بهدي دينهم وتركوا الاستعداد المادي والحربي الذي طلبه الله بقوله : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة [ الأنفال : ٦٠ ] واتكلوا على خوارق العادات وقراءة الأحاديث والدعوات، وذلك ما لم يشرعه الله ولم يعمل به رسوله إلى أنهم تركوا العدل والفضائل وسنن الله في الاجتماع التي انتصر بها السلف الصالح، وأنفقوا أموال الأمة والدولة فيما حرم الله عليهم من الإسراف في شهواتهم.
وعلى العكس من ذلك : اتبع الإفرنج تعاليم الإسلام فاستعدوا للحرب واتبعوا سنن الله في العمران فرجحت كفتهم، ولله الأمر.
وما مكن الله لسلف المسلمين من فتح بلاد كسرى وقيصر وغيرهما من البلاد إلا لما أصاب أهلها من الشرك وفساد العقائد في الآداب ومساوئ الأخلاق والعادات والانغماس في الشهوات وإتباع سلطان البدع والخرافات فجاء الإسلام وأزال كل هذا واستبدل التوحيد والفضائل به، ومن ثم نصر الله أهله على الأمم كلها.
ولما أضاع جمهرة المسلمين هذه الفضائل واتبعوا سنن من قبلهم في إتباع البدع والرذائل وقد حذرهم الإسلام من ذلك، ثم قصروا في الاستعداد المادي والحربي للنصر في الحرب عاد الغلب عليهم لغيرهم ومكن لسواهم في الأرض : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون [ الأنبياء : ١٠٥ ] أي الصالحون لاستعمارها والانتفاع بما أودع فيها من كنوز وخيرات.
وفق الله المسلمين إلى الهدى والرشاد وجعلهم يعيدون سيرتهم الأولى ويهتدون بهدى دينهم ويستمسكون بآدابه ويتبعون سيرة السلف الصالح، فيكتب لهم العز في الدنيا والسعادة في الآخرة، والحمد لله أولا وآخرا.
وكان الفراغ من مسودة هذا الجزء في ليلة العشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وألف بمدينة حلوان من أرباض القاهرة، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
تفسير المراغي
المراغي