ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ

وإن تولوا [ الأنفال : الآية ٤٠ ] أعرضوا ولم يرجعوا عن كفرهم فاعلموا أن الله جل وعلا مولكم ناصركم عليهم، لا يحزنكم توليهم وإعراضهم وإصرارهم على الكفر، فالله مولاكم ناصركم عليهم، و( المولى ) وزنه في الميزان الصرفي ( مفعل ) من الولاية، والمولى في لغة العرب : هو كل من ينعقد بينك وبينه سبب يجعلك تواليه ويواليك، ولذا كثر إطلاق المولى على ابن العم، لأن عصبية العمومة تجعله ينتصر لك وتنتصر له. وقد أطلق الموالي على العصبية في قوله : ولكل جعلنا مولى مما ترك الوالدان والأقربون [ النساء : الآية ٣٣ ] العصبة الوارثون. ومنه قول الفضل بن العباس من ذرية أبي لهب :

مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تظهروا لنا ما كان مدفونا
ومن هذا المعنى قول طرفة بن العبد :
وأعلم علما ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
ولكون المولى في لغة العرب يطلق على من بينك وبينه سبب موالاة يواليك بها وتواليه بها، وكثرت معانيه فأطلق على بني العم، وعلى العصبة، وعلى المعتقين، والمعتقين بالفتح والكسر، وعلى الناصر، وعلى الصاحب، لأن كلا ينعقد بينك وبينه سبب، فلما انعقد بين الكفار وبين النار سبب تجعلهم يدخلونها، ويخلدون فيها، وهي تؤذيهم بحرها قال تعالى : هي مولكم [ الحديد : الآية ١٥ ] فجعل النار مولاهم لانعقاد السبب بينهم وبينها بكفرهم، وكونها دار الله التي يعذب بها أعداءه، فهذا معنى قوله : أن الله مولكم [ الأنفال : الآية ٤٠ ] وهذه ولاية نصر.
وقد أطلق الولاية في القرآن بالنسبة إلى الله ( جل وعلا ) إطلاقين : أطلق المولى بمعنى الولاية الخاصة، وهي : النصر والتمكين والتوفيق، كقوله هنا : فاعلموا أن الله مولكم وقوله : فإن الله هو موله [ التحريم : الآية ٤ ] وهذا كثير في القرآن، ولذا قال : ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن الكفرين لا مولى لهم ( ١١ ) [ محمد : الآية ١١ ] أي : لا مولى لهم ولاية نصر وتمكين. وأطلق المولى صادقا بالكفار، لأنها ولاية خلق وقدرة وربوبية وملك، وهو في قوله : ثم ردوا إلى الله مولهم [ الأنعام : الآية ٦٢ ] وهي في الكفار، لأنه مولى الكفار ولاية ملك وتصرف ونفوذ قدرة، ومولى المؤمنين ولاية نصر وتمكين وثواب. فهذا معنى قوله : فاعلموا أن الله مولكم .
نعم المولى ونعم النصير ( نعم ) فعل جامد لإنشاء [ المدح ]١. والتحقيق أنه فعل ماض جامد، لأن تاء التأنيث تدخل عليه :
نعمت جزاء المتقين الجنة دار الأماني والمنى والمنة
خلافا لمن زعم أن ( نعم ) اسم. قالوا : لأن أعرابيا قيل له : ولدت امرأتك بنتا. فقال : ما هي بنعم الولد، فأدخل عليها حرف الجر الذي هو الباء، ودخول حرف الجر من علامات الاسم. والمحققون من علماء العربية : أن ( نعم وبئس ) فعلان ماضيان جامدان لإنشاء [ المدح أو ]٢ الذم. قالوا : وقول الأعرابي : ما هي بنعم الولد. وقول الآخر : نعم السير على بئس العير. محكي قول محذوف، أي : ما هي بولد مقول في جنسه نعم، نعم الولد.
وقوله : نعم المولى ونعم النصير ( المولى ) فسرناه الآن، و ( النصير ) :( فعيل ) بمعنى ( فاعل )، بمعنى الناصر، وأصل النصر في لغة العرب : إعانة المظلوم، وتخليصه الإعانة من الظلم، فالله ( جل وعلا )، كأنه في هذه الآية بين الثناء على نفسه، الثناء الكامل الذي يستحقه في ولايته لأوليائه، ونصره لهم.
قال بعض العلماء : بين ( المولى ) و( النصير ) عموم الخصوص من وجه، يجتمع ( المولى ) و( النصير ) في بني عمك وعصبتك إذا كانت لهم قدرة على نصرك، وإعانتك على عدوك، فإذا جاء دونك بنو عمك وعصبتك ومنعوك من أعدائك، اجتمع فيهم أن كل واحد منهم مولى، وأنه نصير، وينفرد ( المولى ) عن( النصير ) في قرابتك وعصبتك إذا كانوا ضعفاء، لا يقدرون على نصرتك، فالواحد منهم مولى ليس بنصير، إذ لا طاقة له على النصر، وينفرد ( المولى ) عن( النصير ) بالأجنبي الذي ليس بينك وبينه سبب ولاية إذ نصرك وأعانك ومنعك من عدوك، فهو نصير وليس بمولى. وهذا واضح.
١ في الأصل: "الذم". وهو سبق لسان.
٢ ما بين المعقوفتين [ ] زيادة يقتضيها السياق.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير