ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

ثم قال جل وعلا : ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [ الأنفال : الآية ٥٣ ] الفعل المضارع مجزوم ب ( أن ) بعد ( حتى )، و ( حتى ) حرف جر بمعنى الغاية. والأصل : إلى أن يغيروا. أي : إلى تغييرهم ما بأنفسهم. فهو غاية ذلك المذكور مما أنزل الله بهذه الأمم من المثلاث، وما أنزل بكفار مكة من العذاب يوم بدر والقتل والأسر متصلا بعذاب الآخرة الذي لا ينقطع بسبب أن الله جل وعلا لم يك مغيرا نعمة ( يكن ) مضارع كان يكون، وحذف النون في الفعل المضارع معروف بقياس نطقت به العرب كذلك، سواء كان بعده ( أل ) أو لم تكن بعده ( أل ) كما هو معروف لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم نعمة : مفعولا به لاسم الفاعل. والنعمة : مصدر بمعنى الإنعام، وهو ما ينعم الله ويتفضل به على خلقه. أنعم بها على قوم أي : جماعة من الناس كقريش وغيرهم من الأمم حتى يغيروا والمعنى أن عدم تغييره للنعمة مغيا بغاية، تلك الغاية هي أن يغيروا ما بأنفسهم، فإذا غيروا ما بأنفسهم بأن ارتكبوا سوءا يستوجب العذاب والغضب غيرنا النعم بسبب تغييرهم إياهم.
وهذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن يجب الاعتبار بها، وأن الإنسان لا يتسبب في تغيير نعمة الله عنه بتغييره ما في نقسه، بل يدوم على طاعة الله وتقواه ؛ لأنه إذا تنكر لربه قد يغير نعمته عنه وينقله من النعمة إلى النقمة، ومن السلامة إلى العذاب.
وفي هذه الآية الكريمة إشكال معروف، وسؤال مشهور، وهو أن يقال : إن هؤلاء الكفرة كل أحوالهم خبيثة وخسيسة، فما غيروا الكفر إلا إلى كفر، فهم كانوا كفرة ولم يكونوا في حالة محمودة حتى يكونوا غيروا ما بأنفسهم، الذي كانوا فيه خبيث خسيس، والذي غيروا به خبيث خسيس، فبأي موجب كانت تتمادى عليهم النعمة الأولى، وبأي سبب كانوا يدخلون في قوله : ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وهذا الإشكال قوي، ووجه واضح جدا، ولا يمكن أن يخرج من الآية لأن الآية نازلة في الكفار، فرعون ومن سار على سيره، وكفار مكة الذين شبه دأبهم بدأبه، والمقرر في علم الأصول : أن صورة السبب لا يمكن أن تخرج من العام بمخصص، وهو التحقيق إن شاء الله ١. فبان استحكام هذا الإشكال وقوته.
وأجاب بعض العلماء ٢ عن هذا بأنهم كانوا في نعمة من الله لأنهم لم يأتهم رسول، وكانوا معذورين بالفترة، فأرسل الله إليهم الرسل، وبين لهم المعجزات، وأقام عليهم الحجج، فصاروا يحادون الله، ويكذبون رسله، ويعلمون الحق ويجحدون عنادا وطغيانا وتكبرا على ربهم، فانتقلوا من حال سيئة إلى حال أسوأ منها بأضعاف، فلما انتقلوا إلى حال أسوأ كانوا غيروا فغير الله ما بهم لما غيروا ما بأنفسهم بانتقالهم من سيء إلى أسوأ. وهذا معنى قوله : حتى يغيروا ما بأنفسهم يعني : ما بأنفسهم بأن ينتقلوا من خير إلى شر. ودل هذا الجواب على أنه أيضا بأن ينتقلوا من سيئ إلى أسوأ منه وأفظع كما ذكرنا. وهذا معنى قوله : حتى يغيروا ما بأنفسهم .
وأن الله سميع عليم عطف على ما قبله بأنه لم يك مغيرا، وبأنه سميع عليم لا يخفى عليه شيء من أقوال المغيرين المستوجبين لتغيير النعمة، ولا من أفعالهم.
وقد قدمنا مرارا ٣ أن مثل هذا هو الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم، وأوضحناه مرارا كثيرة. وهذا معنى قوله : وأن الله سميع عليم [ الأنفال : الآية ٥٣ ].

١ انظر: نثر الورود (١/ ٣١٣)، المذكرة في أصول الفقه ص ٢١٠..
٢ انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٧)..
٣ انظر: ص..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير