ﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ ﰿ

ثم قال : يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ( ٦٤ ) [ الأنفال : الآية ٦٤ ] قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع : يأيها النبي حسبك الله . وقرأه نافع وحده من السبعة : يأيها النبئ حسبك الله بالهمزة ١.
أما على قراءة نافع فهو من النبأ بلا خلاف. وقد قدمنا مرارا ٢ أن النبأ في لغة العرب : الخبر الذي له خطب وشأن، فكل نبأ خبرا وليس كل خبر نبأ، لأن النبأ أخص من مطلق الخبر، إذ لا تكاد العرب تطلق النبأ إلا على الإخبار بما فيه أهمية وله خطب وشأن، فلو قلت : جاءنا اليوم نبأ الأمير، أو نبأ الجيوش. كان هذا من كلام العرب ؛ لأنه خبر هذا من كلام العرب ؛ لأن خبر حمار الحجام لا أهمية له ولا شأن ولا خطب له.
أما على قراءة الجمهور : يأيها النبي فقال بعض العلماء : معناه كمعنى قراءة نافع، إلا أن الهمزة أبدلت ياء كما أبدلت همزة ( النسيء ) في قوله : إنما النسيء زيادة في الكفر [ التوبة : الآية ٣٧ ] أبدلت ياء في قراءة سبعية صحيحة ٣ إنما النسي زيادة في الكفر وبها قرأ ورش عن نافع وغيره، وعلى هذا القول فالقراءتان معناهما واحد.
وقال بعض العلماء :( النبي ) على قراءة الجمهور ليس من النبأ الذي هو الخير وإنما هو من ( النبوة ) بمعنى الارتفاع ؛ لأن النبي يوحى إليه وحي، وهو خير له شأن وخطب ؛ ولأن له مكانة رفيعة، والشيء المرتفع تسميه العرب ( نبيا ) والنبوة : الارتفاع، ومنه قيل لكثيب الرمل :( نبي ) أي : لأنه مرتفع، وهو معنى معلوف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر ٤ :

إلى السيد الصعب لو أنه يقوم على ذروة الصاقب
لأصبح رتما دقاق الحصى مكان النبي من الكاثب
يعني النبي : كثيب رمل مرتفع. وهذا معنى قوله : يأيها النبي حسبك الله أي : كافيك الله من أمور الدنيا والآخرة، فإنه يكفيك أعداءك، ويعينك على من ناوءك منهم.
وقوله : ومن اتبعك من المؤمنين فيه وجهان من التفسير معروفان ٥ : قال قوم من علماء التفسير : إن قوله : ومن في محل رفع، وأنه معطوف على لفظ الجلالة، أي : حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، يعينك الله ويؤيدك الله بالمؤمنين. وهذا مروي عن الحسن البصري. والذين قالوا هذا القول قالوا : هذه الآية مكية جعلت في سورة الأنفال وهي مدنية بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، وزعموا أنها نزلت عندما أسلم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – والنبي وأصحابه مختفون في دار الأرقم ابن أبي الأرقم في مكة، وأن عمر أظهر إسلامه حتى صلوا في المسجد، وما كانوا يقدرون، وأن الله أنزلها في مكة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بجعلها في هذه السورة المدنية أعني سورة الأنفال.
والتحقيق الذي دل عليه استقراء القرآن العظيم، وبه قال أكثر علماء التفسير المشهورين : أن قوله ومن عطف على الضمير في قوله : حسبك الله معناه : كافيك الله وكافي معك من اتبعك من المؤمنين، فالله يكفيك المؤن وشرور الأعداء وكل بلية، كما أنه يكفي أتباعك من الصحابة فمن بعدهم ( رضي الله عنهم ). وهذا القول هو التحقيق، وقد دل استقراء القرآن عليه ؛ لأن الحسب – الذي هو الكفاية – من خصائص رب العالمين، ولم يسنده لأحد من خلقه حيث قال : ولو أنهم رضوا ما ءاتهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله [ التوبة : الآية ٥٩ ] فجعل الإيتاء لله والرسول، والحسب لله وحده. وقال تعالى : فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين [ الأنفال : الآية ٦٤ ] فجعل الحسب له وحده، والتأييد بنصر الله وبالمؤمنين. وقد أثنى الله ( جل وعلا ) على قوم أفردوه بالحسب – وهو الكفاية – كما في قوله : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ( ١٧٣ ) [ آل عمران : الآية ١٧٣ ] الله وحده ولم يذكر معه غيره، فأثنى عليهم بإفراد الخالق بهذا الحسب الذي هو الكفاية. ونظيره قوله في خاتمة براءة : فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ( ١٢٩ ) [ التوبة : الآية ١٢٩ ] هذا هو التحقيق – إن شاء الله – أن المعنى : يكفيك الله ويكفيني جميع أتباعك.
وفي هذين ترغيب عظيم في الإسلام ؛ لأن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم كفاه الله كما كفى نبيه صلى الله عليه وسلم.
وهذا التفسير هو الذي عليه جمهور علماء المفسرين، وهو الذي دل عليه استقراء القرآن كما بينا، إلا أنه يرد عليه سؤال عربي نحوي : وهو أن يقول طالب العلم : قررتم أن التحقيق أن ( من ) من قوله : ومن اتبعك من المؤمنين معطوفة على الكاف في قوله : حسبك ٦ أي : حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين. والمقرر عند جماعة من علماء العربية أن الضمير المخفوض لا يجوز العطف عليه إلا بإعادة الخافض، وهنا لم يعد الخافض.
وأجيب عن هذا السؤال من أربعة أوجه ٧ :
أحدها : أن هذه القضية غير مسلمة ٨، وأن جماعة من علماء العربية أصحاب علم وتحقيق قالوا : لا مانع من العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض. وهو رأي ابن مالك – رحمه الله – لأنه لما ذكر المذهب الأول بقوله في خلاصته ٩ :
وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازما قد جعلا
قال بعده :
وليس عندي لازما إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا
ومراده بالنثر الصحيح : قراءة حمزة – رحمه الله – واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام [ النساء : الآية ١ ] بخفض ميم الأرحام معطوفة على الضمير المجرور في قوله :( به ) من غير إعادة الخافض، وهي قراءة سبعية صحيحة ١٠، فمعلوم أن اللغة التي جاءت بها لا بد أن تكون لغة عربية صحيحة، وهو كذلك. وقد اشتهر في أشعار العرب العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وأنشد له الشيخ سيبويه في كتابه ١١ :
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب
فعطف الأيام على الضمير المجرور بالباء من غير إعادة الخافض، وهو كثير في أشعار العرب، ومنه قول الآخر ١٢ :
نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب مهوى النفانف
فقوله : " والكعب " معطوف على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض. ونظيره قول الآخر ١٣ :
لقد رام آفاق السماء فلم يجد له مصدعا فيها ولا الأرض مقعدا
فعطف الأرض على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، ونظيره قول الآخر ١٤ :
أمر مع الكتيبة لا أبالي أحتفي كان فيها أم سواها
فعطف ( سواها ) ب ( أم ) على الضمير المخفوض، وهو كثير في كلام العرب.
الوجه الثاني : أن قوله : ومن اتبعك في محل نصب معطوف على المحل ؛ لأن الكاف من قوله حسبك وإن كان في محل خفض مضاف إليه ما قبله فأصله مفعول ؛ لأن الحسب بمعنى الكفاية، والأصل : يكفيك. فالكاف في محل المفعول، والمعروف في علم العربية أن المخفوض بالإضافة الذي أصله النصب يجوز العطف عليه مخفوضا، وتجوز مراعاة محله فينصب المعطوف عليه وهو معروف في محله.
الوجه الثالث : وهو أظهرها وأبينها وأقلها تكلفا : أن قوله : ومن اتبعك من المؤمنين في محل نصب على أنه مفعول معه، بناء على القول بأن العطف ضعيف، وهو العطف المخفوض من غير إعادة الخافض فيتعين النصب على المفعول معه ( حسبك الله مع من اتبعك من المؤمنين ) وهذا واضح لا إشكال فيه، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر ١٥ :
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند
فنصب ( الضحاك ) مفعولا معه. أي : حسبك مع الضحاك.
الوجه الرابع : أن قوله : ومن اتبعك في محل رفع على أنه مبتدأ خبره محذوف دل ما قبله عليه. أي : ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله أيضا. وهذا معنى قوله : حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين [ الأنفال : الآية ٦٤ ].
١ مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام..
٢ مضى عند تفسير الآية (٨٩) من سورة الأنعام..
٣ مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام..
٤ مضى عند تفسير الآية (١٥٨) من سورة الأعراف. ولفظ الشطر الأول من البيت الأول في ديوانه:
عـــــلــــى الأروع الـــــســـقــــب لـــو أنـــه......................................

٥ انظر: ابن جرير (١٤/ ٤٩)، القرطبي (٨/ ٤٣ الأضواء (٢/ ٤١٦)، ولابن القيم (رحمه الله) تحقيق جيد في معنى الآية ذكره في زاد المعاد (١/ ٣٥)..
٦ مضى عند تفسير الآية (٥٩) من هذه السورة..
٧ انظر: البحر المحيط (٤/ ٥١٥)، الدر المصون (٥/ ٦٣١)، الأضواء (٢/ ٤١٧)..
٨ أطال ابن مالك (رحمه الله) في إبطالها. انظر شرح الكافية (٣/ ١٢٤٦ - ١٢٥٥).
٩ الخلاصة ص ٤٨..
١٠ انظر: المبسوط لابن مهران ١٧٥..
١١ الكتاب (٢/ ٣٨٣)، وهو في شرح الكافية (٣/ ١٢٥٠)..
١٢ البيت في شرح الكافية (٣/ ٢١٥١)..
١٣ لم أقف عليه..
١٤ البيت في شرح الكافية (٣/ ١٢٥٢) وهو للعباس بن مرداس..
١٥ البيت في القرطبي (٨/ ٤٢)، الدر المصون (١/ ٣٨٤)، ذيل الأمالي ص ١٤٠، ونسبه لجرير، وليس في ديوانه..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير