ثم يعطينا الله سبحانه وتعالى قضية إيمانية فيقول :
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( ٦٤ ) .
وإياك أن تظن أن الله عز وجل يعاقب الكفار لأنهم لم يؤمنوا برسل الله فقط، ولكن لأن الكون يفسد بسلوكهم، وهو سبحانه غير محتاج لأن يؤمن به أحد، ثم إن دين الحق سينتصر سواء آمن الناس به أم لم يؤمنوا، وسبحانه يريد بالمنهج الذي أنزله كل الخير والسعادة لعباده ؛ لذلك يقول الحق تبارك وتعالى :
قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ ( من الآية ١٧ سورة الحجرات ).
فإذا دخل أحد في الإسلام فلا يمن على الله أنه أسلم ؛ لأن إسلامه لن يزيد في ملك الله شيئا، وليعلم أن الله سبحانه وتعالى قد منّ عليه بهدايته للإسلام وهي لصالحه. ويريد الله من رسوله أن يلتفت إلى عدد الكفار أو قوتهم ؛ لأن معه الأقوى، وهو الله سبحانه وتعالى ؛ ولذلك يقول :
حَسْبُكَ اللَّهُ ( من الآية ٦٤سورة الأنفال ) : أي يكفيك الله.
وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( من الآية ٦٤سورة الأنفال )، وهي داخلة في حسبك الله . لأن الله هو الذي هدى هؤلاء المؤمنين للإيمان فآمنوا.
ويكون المعنى : حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، أي يكفيكم الله، وعلى ذلك فلا تلتمس العزة إلا من الحق سبحانه وتعالى.
ويمكن أن يكون المعنى يكفيك الله فيما لا تستطيع أن تحققه بالأسباب. ويكفيك المؤمنون فيما توجد فيه أسباب.
ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى قال : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ( من الآية ٦٤ سورة الأنفال )وهذا النداء إنما يأتي في الأحداث ؛ أما البلاغ فيقول الله تعالى :
يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ( من الآية ٦٧ سورة المائدة )
إذن فالحق سبحانه وتعالى ينادي الرسول ب يأيها النبي حين يكون الأمر متعلقا بالأسوة السلوكية، أما إذا كان الأمر متعلقا بتنزيل تشريع، فالحق سبحانه يخاطبه صلى الله عليه وسلم بقوله : يأيها الرسول ذلك أن الرسل جاءوا مبلغين للمنهج عن الله، ويسيرون وفق هذا المنهج كأسوة سلوكية. على أننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قد ذكر كل رسول باسمه في القرآن الكريم فقال : " يا موسى "، وقال : " يا عيسى بن مريم "، وقال : " يا إبراهيم ". إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد خاطبه ب : " يأيها النبي "، وب " يأيها الرسول "، وهذه لفتة انتبه إليها أهل المعرفة، وهذا النداء فيه خصوصية لخطاب الحضرة المحمدية، فالله سبحانه وتعالى يقول :
يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ( من الآية ٣٥ سورة البقرة )
وينادي سيدنا نوحا قائلا سبحانه وتعالى :
يا نوح اهبط بسلام منا وبركات ( من الآية ٤٨ سورة هود }
وينادي سيدنا موسى فيقول :
أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ( من الآية ٣٠ سورة القصص )
وينادي سيدنا عيسى فيقول :
يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ( من الآية ١١٦ سورة المائدة ).
فكل نبي ناداه الحق تبارك وتعالى باسمه مجردا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقل له قط : يا محمد، وإنما قال : " يأيها النبي "، و " يأيها الرسول ". والحق سبحانه وتعالى في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها أراد أن يلفت نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أن يعلم أنه يكفيه الله والمؤمنين مهما قل عددهم لينتصروا على الكفار.
تفسير الشعراوي
الشعراوي