كما يعيش سائر الحيوان، ويموت كما يموت الوحش وصغار الذرّ، وإنما الذي يليق بعقله وقوة نفسه أن تكون له حياة أبدية لا حد لها، ولا فناء بعدها، يوفّى فيها كل ذى حق حقه، وكل عامل جزاء عمله.
[سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ٩ الى ١٩]
كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)
وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨)
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)
شرح المفردات
كلا: كلمة تفيد نفى شىء قد تقدم وتحقيق غيره، والدين: الجزاء، حافظين أي يحصون أعمالكم خيرا كانت أو شرا، والأبرار: واحدهم برّ، وهو من يفعل البر (بكسر الباء) ويتقى الله فى كل أفعاله، والفجار: واحدهم فاجر، وهو التارك لما شرعه الله وحدّه لعباده، يصلونها: أي يقاسون حرها، يوم الدين: أي يوم الجزاء، ما أدراك: أي ما أعلمك وعرفك.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر أن من دلائل نعمه على الإنسان خلقه على أحسن صورة. وأن ذلك يدل على أن له حياة أخرى غير هذه الحياة: فيها يجازى بما عمل من خير أو شر- أعقب هذا بيان أنه لا شىء يمنعه عن التصديق بهذا اليوم إلا العناد
والتكذيب، فالشعور النفسي يوحى به، والدليل النقلى الذي أتى به الرسول يصدقه، والله لم يترك عملا لعباده إلا أحصاه وحفظه، ليوفى كل عامل أجره، فقد وكل الكرام الكاتبين المطهرين عن الغرض والنسيان بكتابته وضبطه.
ثم ذكر أن الناس فى هذا اليوم فريقان، بررة مطيعون لربهم فيما به أمر وعنه نهى، وهؤلاء يتقلبون فى النعيم، وفجرة يتركون أوامر الدين، وأولئك يكونون فى دار العذاب والهوان يقاسون حر النار، وأنه فى هذا اليوم لا يجد المرء ما يعوّل عليه سوى ما قدمت يداه، فيجفوه الأولياء، ويخذله الشفعاء، ويتبرأ منه الأقرباء فلا شفيع ولا نصير، ولا وزير ولا مشير، والحكم لله وحده، وهو المهيمن على عباده، وبيده تصريف أمورهم، وهو الصادق فى وعده، العدل الحكيم فى وعيده، فلا مهرب لعامل مما أعدّ له من الجزاء على عمله.
الإيضاح
(كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) أي ارتدعوا عن الاغترار بكرمى لكم. فإنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمى عليكم، ويدعوه إرشادى لكم، بل تجترئون على ما هو أعظم منه. فتكذبون بيوم الجزاء والحساب على القليل والكثير، يوم تبعثون للفصل بينكم، فتجازى كل نفس بما عملت، وما قدمت وأخرت.
ثم حذرهم من تماديهم فى غيهم ببيان أن أعمالهم محصاة عليهم فقال:
(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِراماً كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) أي إن أعمالكم محصاة عليكم، فقد وكل بكم ملائكة حفظة، كرام كاتبون يحصون كل ما تعملون من خير وشر.
وقد ذكر ذلك فى غير موضع من الكتاب الكريم كقوله: «عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ. ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» وقوله: «وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً».
وليس علينا أن نبحث عن كنه هؤلاء الحفظة، ولا أن نعرف من أي شىء خلقوا وما عملهم، وكيف يحفظون الأعمال، وهل عندهم أوراق وأقلام، أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال، أو هم أرواح تتجلى فيها تلك الأعمال، فتبقى فيها بقاء المداد فى القرطاس. كل ذلك لم نكلّف العلم به، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر، وتفويض الأمر فى حقيقته إلى الله.
ثم ذكر نتيجة الحفظ والكتابة من الثواب والعقاب، وبين أن العاملين فى ذلك اليوم فريقان، وبين مآل كل منهما فقال:
(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ) أي وإن أهل الثواب وهم الأبرار يكونون فى دار النعيم. وإن أهل العقاب وهم الفجار يكونون فى دار الجحيم، دار العذاب الأليم يقاسون أهوالها.
ثم بين أن هذا العذاب حتم لا منجاة لهم منه ولا مهرب فقال:
(وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) أي إنهم لا يغيبون عن الجحيم، ولا ينفكون عن عذابها، بل هم ملازمون لها.
ثم عاد إلى تفخيم ذلك اليوم وتهويل أمره فقال:
(وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) أي إن أمرك أيها الإنسان لعجيب، فأنت لاه عن هذا اليوم غير مبال به، وقد كنت خليقا أن تتعرف حقيقة حاله، لتأخذ لنفسك الحيطة، وتتدبر أمرك، ولا تركن إلى عفو ربك وكرمه وصفحه، فإنك لا تدرى ما قدّر لك.
ثم زاده توكيدا وتعظيما فقال:
(ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ؟) أي ثم عجيب منك أن تتهاون بنبإ هذا اليوم.
كأنك قد أدركت كنهه. وعرفت وجه الخلاص مما يلقاك فيه من الأهوال. ولو عرفته حق معرفته للانت قناتك. ورجعت إلى ربك تائبا. وعدت إليه مستغفرا. طالبا الصفح عما قدمت يداك.
ثم بين حقيقة أمره فقال:
(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) أي يوم لا تستطيع دفعا عنها ولا نفعا لها بوجه ولا أمر إلا الله وحده. فكل امرئ مشغول بما هو فيه، كما قال: «وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً» وقال: «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ».
ثم أكد ما سبق بقوله:
(وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) وحده، فلا أحد يحمى أحدا، ولا يغنى أحد عن أحد شيئا.
وقد استأثر الله بالأمر كله، فبيده تصريفه، وإليه المرجع والمآب.
ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.
ما فى هذه السورة من مقاصد
(١) وصف بعض أهوال يوم القيامة.
(٢) تقصير الإنسان فى مقابلة الإحسان بالشكران.
(٣) بيان أن أعمال الإنسان موكل بها كرام كاتبون.
(٤) بيان أن الناس فى هذا اليوم: إما بررة منعمون، وإما فجرة معذبون.
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي