ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال :
كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : كلاَّ ، ردع للمكذبين، ثم بيّن حال الأبرار، فقال : إنَّ كتاب الأبرارِ أي : ما كتب من أعمالهم، والأبرار : المؤمنون المطيعون، لأنه ذُكر في مقابلة الفُجَّار، وعن الحسن : البرّ : الذي لا يؤذي الذرّ، لفي عليين ، قال الفراء : هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل : واحده " عِلِّيّ "، و " علِّية " وأيًّا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه : إنّ أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا : قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور :" إنَّ الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون : واهاً لهذه الريح الطيبة. . " الحديث. . وتقدّم قوله صلى الله عليه وسلم :" أكثر أهل الجنة البُله، وعليون لذوي الألباب " ١ وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" عليون في السماء السابعة تحت العرش " ٢. وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبدُ عملاً صالحاً عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد رُوي في الأثر :" أن الملائكة تصعد بصحيفةٍ فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال : اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال : اجعلوه في سجين ".
والحاصل : أنَّ الكتاب المرقوم : هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعلَ في عليين، إشارة إلى أنَّ صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى : يشهده المقربون أي : يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلَّمون، وفي الحديث :" قد كان في الأمم مكلَّمون، وإن يكن في أمتي فعُمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء.
ثم قال تعالى : إنَّ الأبرار لفي نعيم لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري : ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. هـ. ولعل نظرهم علمياً لا ذوقياً، لأنَّ الذوق للمقربين، تَعْرِفُ في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القُربة، ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال : يُسقَون من رحيق خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري : أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، خِتامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلاَّ الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. هـ. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمَن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض :
وقال القشيري : وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. هـ. ومِزاجه من تسنيم، وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه : وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسّرها تعالى بقوله : عيناً يشرب بها المقربون فالمقربون يشربونه صرفاً في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم : لأنه ليس مَن احتمل حمل الصفات كمن قَوِي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرْفاً لحملهم الذات والصفات جميعاً. هـ. ولأنهم صفّوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفّى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر :علَى نَفْسِه فَلْيبْك مَن ضاعَ عُمْرُه وليس لَهُ مِنْها نَصيبٌ ولا سَهْمٌ
فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعِم، تنافسُ الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. فروحي وريحاني إذا كنت حاضراً وإن غبتَ فالدنيا عليّ محابسُ إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليكَ ففي مَن ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبُها فكل امرئ يصبو إلى مَن يجانس
٢ أخرجه البغوي في تفسيره ٨/٣٦٣..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي