ﯖﯗ ﯙﯚﯛﯜﯝﯞ ﯠﯡﯢﯣﯤ ﯦﯧﯨﯩﯪ ﭑﭒ ﭔﭕﭖﭗﭘ

وينظرون إليهم وهم يعذبون في النار وما يلقونه من النكال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ.. [الآيات ٢٩- ٣٦].
وعيد المطففين
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١ الى ٦]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦)
الإعراب:
كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ الهاء والميم: إما ضمير منصوب بالفعل، وتقديره: كالوا لهم ووزنوا لهم، فحذفت اللام، فاتصل الفعل به، وإما ضمير مرفوع مؤكد لواو الجماعة في الفعل. قال ابن كثير: والأحسن أن يجعل كالوا ووزنوا متعديا، ويكون (هم) في محل نصب. وقال أبو حيان: كال ووزن مما يتعدى بحرف الجر، فتقول: كلت لك ووزنت لك، ويجوز حذف اللام كقولك: نصحت لك ونصحتك وشكرت لك وشكرتك.
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ يَوْمَ الثاني: إما منصوب بفعل مقدر، دل عليه مَبْعُوثُونَ اي مبعوثون يوم يقوم الناس، وإما بدل من موضع الجار والمجرور في قوله تعالى:
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ.
أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ أَلا هنا: ليست أداة استفتاح، وإنما الهمزة للإنكار والتعجب، ولا للنفي.
البلاغة:
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ تنكير وَيْلٌ للتهويل والتفخيم.
يَسْتَوْفُونَ ويُخْسِرُونَ بينهما طباق.

صفحة رقم 111

المفردات اللغوية:
وَيْلٌ كلمة عذاب، أي شدة عذاب، في الآخرة. لِلْمُطَفِّفِينَ المنقصين، جمع مطفّف: وهو المقل حق صاحبه بنقصانه عن الحق، في كيل أو وزن، والمراد بالتطفيف هنا: إما الازدياد إن اقتضوا من الناس، وإما النقصان إن قضوهم. وسمي بذلك لأن ما يبخس شيء حقير طفيف. اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ أخذوا منهم حقوقهم. يَسْتَوْفُونَ يأخذون الكيل وافيا كاملا. كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ كالوا لهم أو وزنوا لهم. يُخْسِرُونَ ينقصون الكيل أو الوزن.
أَلا يَظُنُّ يتيقن، وهو استفهام توبيخ وإنكار وتعجب من حالهم، وعبر بالظن لأن من ظن ذلك لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح، فكيف بمن تيقنه. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أي يوم القيامة، عظمه لعظم ما يكون فيه. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ من قبورهم. لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي رب الخلائق، والمراد: يوم يقف الناس أمام ربهم لأجل أمره وحكمه وحسابه وجزائه. قال البيضاوي:
وفي هذا الإنكار والتعجب، وذكر الظن، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله، والتعبير برب العالمين مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه.
سبب النزول: نزول الآية (١) :
أخرج النسائي وابن ماجه بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة، كانوا من أبخس الناس كيلا، فأنزل الله: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فأحسنوا الكيل بعد ذلك.
وقال السّدّي: كان بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له مكيالان، يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص فنزلت. وهي آخر سورة نزلت بمكة، فهي مكية في قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل. ويقال:
إنها أول سورة نزلت بالمدينة، فهي مدنية في قول الحسن وعكرمة.
روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قدم المدينة، وكانوا من أخبث الناس كيلا، فنزلت، فأحسنوا الكيل «١».
وهذا على أن السورة مدنية، أو قرأها عليهم بعد قدومه إن كانت مكية.

(١) رواه النّسائي عن ابن عباس.

صفحة رقم 112

التفسير والبيان:
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ أي عذاب شديد للمنقصين في الكيل أو الوزن، والتطفيف: الأخذ في الكيل أو الوزن شيئا طفيفا، أي نزرا حقيرا أو يسيرا، والمطفف: هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن. قال ابن كثير رحمه الله: البخس في المكيال والميزان: إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله تعالى:
الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أي هم الذين إذا اكتالوا من الناس وقبضوا لهم، يأخذون حقهم وافيا زائدا، وإذا كالوا أو وزنوا لغيرهم من الناس أو أقبضوهم، ينقصون الكيل أو الوزن.
وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان، فقال: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [الإسراء ١٧/ ٣٥] وقال سبحانه: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[الأنعام ٦/ ١٥٢] وقال عز وجل: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ [الرحمن ٥٥/ ٩]. وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال، بعد أن كرر النصح لهم، فقال تعالى: وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [هود ١١/ ٨٥].
ثم توعد الله تعالى المطففين بقوله:
أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي ألا يخطر ببال أولئك المطففين أنهم مبعوثون، فمسئولون عما

صفحة رقم 113

يفعلون؟ وأما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي ربهم في يوم عظيم الهول كثير الفزع، جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارا حامية؟ وهو يوم القيامة.
إنه يوم يقوم الناس فيه حفاة عراة، في موقف صعب حرج، منتظرين لأمر رب العالمين وجزائه وحسابه. وفي هذا دلالة على عظم ذنب التطفيف، ومزيد إثمه، وشدة عقابه، لما فيه من خيانة الأمانة وأكل حق الغير. وفي الإشارة إليهم بأولئك، وقد ذكرهم عما قريب، تبعيد لهم عن رتبة الاعتبار، بل عن درجة الإنسانية. وفي هذا الإنكار والتعجيب، وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لرب العالمين، بيان بليغ لعظم هذا الذنب. ويلاحظ أن المطففين إن كانوا من أهل الإسلام، فالظن بمعنى اليقين أو العلم، وإن كانوا كفارا منكري البعث، فالظن بمعناه الأصلي، والمراد: هب أنهم لا يقطعون بالبعث، أفلا يظنونه أيضا، كقوله: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية ٤٥/ ٣٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
١- التطفيف: وهو إنقاص حق الآخر في الكيل أو الوزن ونحوهما من المقاييس حرام شرعا، موجب للإثم الشديد والعذاب الأليم في الآخرة، وهو أيضا رذيلة اجتماعية ونقيصة وعيب يطعن في الخلق، ويؤدي إلى ابتعاد الناس عن فاعله.
روي أن أهل المدينة كانوا تجارا يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، يعني بيع الغرر، كالطير في الهواء، فنزلت- على أن السورة مدنية في رأي جماعة- فخرج رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فقرأها عليهم، فقال:

صفحة رقم 114

«خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلّط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طفّفوا المكيال إلا منعوا النّبات، وأخذوا بالسّنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر» «١».
٢- المراد بالتطفيف هنا: الزيادة في الكيل أو الوزن ونحوهما عند استيفاء الحق، ونقص الكيل أو الوزن ونحوهما عند إيفاء الحق.
٣- قوله تعالى: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ توبيخ للمطففين، وإنكار وتعجيب عظيم من حالهم، في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة، فمسئولون عما يفعلون. والظن هنا كما تقدم بمعنى اليقين، أي ألا يوقن أولئك، ولو أيقنوا ما نقصوا في الكيل والوزن. وهذا دليل على أن التطفيف من الكبائر.
وهذا الوعيد يتناول من يفعل ذلك، ومن يعزم عليه إذ العزم عليه أيضا من الكبائر «٢».
وأكثر العلماء على أن قليل التطفيف وكثيره يوجب الوعيد، وبالغ بعضهم كما تقدم، حتى عدّ العزم عليه من الكبائر.
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله: لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلّم ما يرضاه لنفسه، فليس بمنصف، والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه، فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق

(١) أخرجه الطبراني عن ابن عباس، وهو حديث صحيح. وأخرجه أبو بكر البزار بمعناه، ومالك بن أنس أيضا من حديث ابن عمر.
(٢) وهذا رأي الرازي، تفسير الرازي: ٣١/ ٨٩

صفحة رقم 115

نفسه من الناس، ولا يعطيهم حقوقهم، كما يطلب لنفسه، فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس، ولا يطلب من أحد لنفسه حقا «١».
ويحكى أن أعرابيا قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك، وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن؟! ٤- قوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي للعرض والحساب، فيه غاية التخويف لأن جلال الله وعظمته يملآن النفس رهبة وهيبة، والقيام له شيء حقير أمام عظمته وحقه.
أما قيام الناس بعضهم لبعض، ففيه خلاف، فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه،
وقد روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قام إلى جعفر بن أبي طالب واعتنقه، وقام طلحة لكعب بن مالك يوم تيب عليه، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم للأنصار، حين طلع عليه سعد بن معاذ فيما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري: «قوموا إلى سيّدكم». وقال أيضا: «من سرّه أن يتمثل له الناس قياما، فليتبوأ مقعده من النار» «٢».
قال القرطبي: وذلك يرجع إلى حال الرجل ونيته، فإن انتظر ذلك واعتقده لنفسه، فهو ممنوع، وإن كان على طريق البشاشة والوصلة، فإنه جائز، وبخاصة عند الأسباب، كالقدوم من السفر ونحوه «٣».
والخلاصة كما ذكر الرازي: جمع الله سبحانه في هذه الآية أنواعا من التهديد، فقال أولا: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وهذه الكلمة تذكر عند نزول البلاء، وهذه الكلمة تذكر عند نزول البلاء، ثم قال ثانيا: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ وهو استفهام بمعنى الإنكار، ثم قال ثالثا:

(١) غرائب القرآن: ٣٠/ ٤٩
(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٥٦
(٣) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٥٦ [.....]

صفحة رقم 116

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية