قال (ابن عباس (١) و) (٢) المفسرون (٣): إذا استوى، واجتمع، وتكامل، وتم، واستدار. كل هذا من ألفاظهم.
١٩ - قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ فيه قراءتان (٤): فتح "الباء"، وضمها، فمن فتح "الباء" قال: الخطاب لمحمد -صلى الله عليه وسلم-.
والمراد بالطبق: السماء. وهو قول مسروق (٥)، (والشعبي) (٦) (٧)،
(٢) ساقط من (أ).
(٣) وهو قول: قتادة، وابن زيد، وسعيد، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، والضحاك، ومسروق، وأبي صالح. "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٥٨، "جامع البيان" ٣٠/ ١٢٢، "اتفسير القرآن العظيم" ٤/ ٥٢٣.
وبه قال اليزيدي في: غريب القرآن: ٤٢٢، وابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" ٥٢١، والسجستاني في: نزهة القلوب: ١٣٥، وإليه ذهب الطبري في: "جامع البيان" ٣٠/ ١٢٢، والثعلبي في: "الكشف والبيان" ج: ١٣، ٦١/ أ، وانظر نفس الصباح: ٢/ ٧٧٤، و"تفسير غريب القرآن" لابن الملقن: ٥٤١.
(٤) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: لَتَرْكَبُنَّ بفتح الباء، ووافقهم ابن محيصن والأعمش.
وقرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر، وعا صم، وأبو عمرو، ويعقوب: لَتَرْكَبُنَّ بضم الباء.
انظر: "كتاب السبعة" ٦٧٧، "القراءات وعلل النحويين فيها" ٢/ ٧٦١، "الحجة" ٦/ ٣٩١، "حجة القراءات" ٧٥٦، "الكشف" عن وجوه القراءات: ٢/ ٣٦٧، "كتاب التبصرة" ٧٢٣، "المبسوط" ٤٠٠، النشر: ٢/ ٣٩٩.
(٥) "تفسير مجاهد" ٧١٦، "جامع البيان" ٣٠/ ١٢٤.
(٦) "جامع البيان" ٣٠/ ١٢٤، "النكت والعيون" ٦/ ٢٣٨، "معالم التنزيل" ٤/ ٤٦٥، "زاد المسير" ٨/ ٢١٢، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ٢٧٦، "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٥٢٣.
(٧) ساقط من (أ).
وابن عباس (١) في رواية مجاهد. والمعنى: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. قال الكلبي: يصعد فيها (٢).
ويجوز أن يريد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة (٣).
ويجوز أن يكون المعنى: لتركبن السماء حالاً بعد حَال من تغير حَالاتها التي وصفها الله من الانشقاق، والطي، وكونها مرة كالدهَان، ومرة كالمهل، وهو قول عبد الله (٤).
وروى الفراء بإسناده عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: لتركبن، بفتح (٥) "الباء"، وفسر: لتصيرن الأمور حَالاً بعد حَال (٦).
(٢) "معالم التنزيل" ٤/ ٤٦٥.
(٣) وهو قول عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي العالية، والشعبي. انظر: "الكشف والبيان" ج: ١٣: ٦٠/ أ، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ٢٧٦.
(٤) "تفسير مجاهد" ٧١٦، "الحجة" ٦/ ٣٩١، "حجة القراءات" ٧٥٦، "جامع البيان" ٣٠/ ١٢٤، "الكشف" عن وجوه القراءات السبع: ٣٦٧، "النكت والعيون" ٦/ ٢٣٨، "المحرر الوجيز" ٥/ ٤٥٩، "زاد المسير" ٨/ ٢١٢، "التفسير الكبير" ٣١/ ١١١، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ٢٧٦، "البحر المحيط" ٨/ ٤٤٧، "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٥٢٣، "الدار المنثور" ٨/ ٤٦٠،
وعزاه إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد، والبيهقي، وانظر: "كشف الأستار عن زوائد البزار" ٣/ ٨٩: ح: ٢٢٨٢.
(٥) في (أ): بالفتح.
(٦) "معاني القرآن" ٣/ ٢٥٢، كشمف الأستار عن زوائد البزار: ٣/ ٨٩.
ويجوز أيضًا أن يكون الخطاب للإنسان المتقدم في قوله: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ
والمعنى: لتركبن أيها الإنسان حَالاً بعد حَال من كونه نطفة، وعلقة، وَمُضغة، وحياً، وميتاً، وحياً بعد الموت، وغنياً، وفقيراً، وجميع الأحوال المختلفة على الإنسان في دنياهُ وآخرته. وهو قول مقاتل (١)، وعلى أيضًا قراءة من قرأ بضم "الباء" إلا أن الخطاب للجماعة، وهو اختيار أبي عبيد قال: لأن المعنى: بالناس أشبه منه بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذُكر قبل الآية (من يؤتى كتابه بيمينه، ثم فسر هذه الآية) (٢): قوله تعالى: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وذكر ركوبهم طبقاً بعد طبق (٣)، وهذا قول أكثر المفسرين؛ قالوا: لتركبن حَالاً بعد حَال، ومنزلاً بعد منزل، وأمرًا بعد أمر. وهذا قول الحسن (٤)، وقتادة (٥)، ومجاهد (٦)، (وعكرمة (٧)، وابن
(٢) ما بين القوسين ساقط: أ.
(٣) ورد بنحو قوله في: "الكثسف والبيان" ج ١٣: ٦٠/ أ. وفيه: ثم قال بعدها فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وذكر ركوبهم طبقًا بعد طبق.
(٤) "جامع البيان" ٣٠/ ١٢٣، "النكت والعيون" ٦/ ٢٣٨، "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٥٢٣، "تفسير الحسن البصري": ٢/ ٤٠٧.
(٥) "جامع البيان" ٣٠/ ١٢٣.
(٦) "تفسير مجاهد" ٧١٥، "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٥٢٣.
(٧) "جامع البيان" ٢٣/ ١٢٣ - ١٢٤، "النكت والعيون" ٦/ ٢٣٨، "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٢٥٣.
زيد (١)، وسعيد بن جبير (٢)) (٣) [قالوا] (٤): لتكونن في الآخرة بعد الأولى، ولتصيرن أغنياء بعد الفقر، وفقراء بعد الغنى، يعني في الآخرة.
قال (٥) عطاء: يريد شدة بعد شدة، يعني شدائد القيامة (٦).
وقال أبو عبيدة: لَتَركَبُنَّ سنة الأولين، وسنة من كان قبلكم (٧). يعني في التكذيب والاختلاق على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والطبق في اللغة: يكون بهذه المعاني التي ذكرهَا المفسرون.
قال الليث: السموات طباق، وكل واحد من الطباق طبقة، وقد يُذَكر طبق -قال- والطبقة: [الحال] (٨)، يقال: كان فلان من الدنيا على طبقات شتى؛ أي حالات (٩).
وقال ابن الأعرابي: الطبق [الحال] (١٠) على اختلافها (١١).
(٢) ورد معنى قوله في: "النكت والعيون" ٦/ ٢٣٨، "زاد المسير" ٨/ ٢١٣، تفسير سعيد بن جبير: ٣٧٠
(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٤) في كلا النسختين: قالا، وأثبت ما يستقيم الكلام به.
(٥) في (أ): فقال.
(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمعنى قوله عن ابن عباس انظر: "الكشف والبيان" ح: ١٣: ٦١/ ب، "معالم التنزيل" ٤/ ٤٦٥، "زاد المسير" ٨/ ٢١٣.
(٧) "مجاز القرآن" ٢/ ٢٩٢ بنصه
(٨) في كلا النسختين: الجبال، وأثبت ما جاء في: "تهذيب اللغة" ٩/ ١٠: مادة: (طبق) لصحته، ولأنه مصدر قول الليث.
(٩) "تهذيب اللغة". مراجع السابقة مختصرًا، وانظر، "لسان العرب" ١٠/ ٢١٠ طبق.
(١٠) ساقط من النسخين، ومثبت من مصدر قول ابن الأعرابي، وبه يستقيم الكلام.
انظر: "تهذيب اللغة" ٩/ ١١: مادة: (طبق).
(١١) "تهذيب اللغة" المرجع السابق
وقد يكون الطبق بمعنى الشدة، قال الفراء: العرب تقول: وقع في بنات طبق (١) إذا وقع في الأمر الشديد (٢).
وقال الأصمعي: يقال: جَاء بإحدى بنات طبق، وهي الداهية، وأصلها من الحيّات (٣). (يقال للحية: أم طبق لحسها (٤) لتَرحَيها (٥) وتحوَّيها (٦)) (٧).
وقوله: عَنْ طَبَقٍ "عن" بمعنى: بعد (٨).
قال أبو علي: ومثل ما فسروا من "أن" بمعنى "عن" بمعنى "بعد" قول الأعشى:
| سادوا (٩) وألقَى رهَطه سَادةً | وكَابرًا سادوك عن كَابِرِ (١٠) |
ويراد ببنت طبق سُلحفاة تزعم العرب أنها تبيض تسعة وتسعين بيضة كلها سلاحف، وتبيض بيضة تنقف عن أسود. يُضرب للرجل يأتي بالأمر العظيم.
"مجمع الأمثال" ١/ ٢٩٣، رقم: ٨٦٥.
(٢) "معاني القرآن" ٣/ ٢٥٢ بنصه
(٣) "تهذيب اللغة" ٩/ ٥.
(٤) غير مقروءة في النسختين.
(٥) في (أ): لتوحيها.
(٦) تحويها: الحَوِيُّ استدارة كل شيء كحوى الحيَّة وكحوى بعض النجوم إذا رأيتها في نسق واحد مستدير.
"تهذيب اللغة" ٥/ ٢٩٢: مادة: (حوى).
(٧) ما بين القوسين نقل عن "تهذيب اللغة" ٩/ ٦: مادة: (طبق) بزيادة لحسها.
(٨) انظر كتاب معاني الحروف: للرماني: ٩٥
(٩) في (أ): ساد.
(١٠) ورد البيت في "ديوانه" دار صادر: ٩٣، برواية: "وألفى قومه" بدلاً من: "رهطه".
قال: والمعنى: كابرا بعد كابر.
فـ"عن" متعلق بسادوك، ولا يكون متعلقاً بكابر، وقد تبين ذلك في قول النابغة:
| بَقِيَّةُ قِدْرٍ من قُدورٍ تُوُرِّثت | لاَلِ الجلاحِ كَابِرًا بَعْدَ كابرِ (١) |
وتم الكلام عندها لتمام جواب القسم (٣).
ثم قال: فَمَا لَهُمْ يعني كفار مكة لَا يُؤْمِنُونَ بمحمد، والقرآن.
والمعنى: أي شيء لهم غير مؤمنين، وهو استفهام (٤) إنكاري، أي: أي شيء لهم من النعيم والكرامة؛ إذ ألم يؤمنوا.
ويجوز أن يكون استفهامًا معناه التعجب، أي: اعجبوا منهم لم يؤمنوا بعد البيان ووضوح البرهان.
(قوله (عَزَّ وَجَلَّ) (٥): وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ قال عطاء (٦)، والكلبي (٧): لا يصلون لله عَزَّ وَجَلَّ.
(٢) نقلاً عن "الحجة" ٦/ ٣٩١ - ٣٩٢. وفيه: وقالوا عرق الرجل عن الحمى أي بعدها.
(٣) انظر: علل الوقوف: لابن طيفور: ٣/ ١١١٢، والوقف والابتداء: للنحاس: ٢/ ٧٩٧، المكتفى لأبي عمرو الداني: ٦١٤، منار الهدى: للأشموني: ٤٢٣
(٤) في (أ): هذا.
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ع).
(٦) " الكشف والبيان" ج: ١٣: ٦٢/ أ، "معالم التنزيل" ٤/ ٤٦٥، "زاد المسير" ٨/ ٢١٣، "التفسير الكبير" ٣١/ ١١٢
(٧) المراجع السابقة عدا زاد المسير.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي