قوله : وَأَذِنَتْ . عطف على «انشقت »، وقد تقدَّم أنَّه جواب على زيادة الواو.
ومعنى «وأذنت » : أي : استمعت أمره، يقال : أذنت لك : استمعت لك، وفي الحديث :«مَا أذِنَ اللهُ لِشَيءٍ كأذنِهِ لِنَبيِّ يَتغنَّى بالقُرْآنِ »١.
وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزَّجاج قول قعنب :[ البسيط ]
٥١٣٤- صُمٌّ إذَا سَمِعُوا خَيْرَاً ذُكِرْتُ بِهِ *** وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عندهُمْ أذِنُوا٢
وقال آخر :[ البسيط ]
٥١٣٥- إن يأذنُوا ريبَةً طَارُوا بِهَا فَرَحَاً *** ومَا هُمُ إذِنُوا من صالحٍ دَفنُوا٣
وقال الجحاف بن حكيم :[ الطويل ]
٥١٣٦- إذِنْتُ لَكُمْ لمَّا سَمِعْتُ هَرِيركُمْ***. . . ٤
ومعنى الاستعارة - هاهنا - أنَّه لم يوجد في جِرْمِ السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله تعالى في شقها، وتفريق أجزائها، فكأنَّها في قبول ذلك التأثير كالعبدِ الطائع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المالك أنصت، وأذعن، ولم يمتنع كقوله تعالى : قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [ فصلت : ١١ ]، وذلك يدل على نفوذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير ممانعة أصلاً. قاله ابن الخطيب٥.
قوله :«وحُقَّتْ ». الفاعل في الأصل هو الله تعالى، أي : حقَّ الله عليها ذلك، أي : بسمعهِ وطاعته، يقال : هو حقيقٌ بكذا ومحقوق، والمعنى : وحقَّ لها أن تفعل.
قال الضحاكُ :«حَقَّتْ » أطاعت وحقَّ لها أن تُطِيعَ٦.
وقال ابن الخطيب٧ : وهو من قولك : محقوقٌ بكذا وحقيقٌ به، وهي حقيقة بأن تنقاد، ولا تمتنع.
٢ قائله قعنب ابن أم صاحب من شعراء عصر بني أمية ينظر ديوان الحماسة للتبريزي ٢/١٨٧، وسمط اللآلىء ١/٣٦٢، والاقتضاب في شرح أدب الكتاب: ص ٢٩٢، ومجاز القرآن ٢/٢٩١، ومعاني القرآن وإعرابه ٥/٣٠٣، والطبري ٣٠/٧٢، واللسان (أذن)..
٣ تقدم..
٤ صدر بيت وعجزه:
... *** فأسمعتموني بالخنا والفواحش.
ينظر الكشاف ٤/٧٢٥، والدر المصون ٦/٤٩٧..
٥ ينظر: الفخر الرازي ٣١/٩٤..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٠٥) عن الضحاك ومثله عن السدي ذكره السيوطي ف ي"الدر المنثور" (٦/٥٤٧) وعزاه إلى ابن المنذر..
٧ ينظر: الفخر الرازي ٣١/٩٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود