وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ٢١ إذا متعلق بلا يسجدون والجملة الشرطية معطوفة على لا يؤمنون حال ماردف له وهذه الآية تدل على وجوب السجود حين استماع القرآن فإنه ذم لمن سمع القرآن ولم يسجد فإما أن يكون المراد بالسجود الخضوع مجازا وهو الظاهر لإطلاق القرآن على كل آية وإن لم يكن آية السجدة مع الاجتماع على عدم وجوب السجود عند استماع القرآن مطلقا وإما يكون المراد بالسجود سجود التلاوة واللام في القرآن للعهد والمراد آية السجدة فحينئذ يكون حجة لأبي حنيفة في القول بوجوب التلاوة ولم يقل بالافتراض للشك في التأويل ووقع الخلاف في المسألة والظاهر أن الوجوب لا يثبت بالشك بل بدليل ظني يفيد الوجوب واحتج أبو حنيفة وصاحبيه بحديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي يقول : يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار )١ رواه مسلم ووجه الاحتجاج أن الحكيم إذا حكى عن غير الحكيم كلاما ولم تعقبه بالإنكار كان دليلا على صحته، وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر أنه قال السجدة على من سمعها وعند جمهور الفقهاء والمحدثين سجود التلاوة سنة، واحتجوا بحديث زيد بن ثابت قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسجد أخرجاه في الصحيحين وأخرج أصحاب السنن والدارقطني وزاد ولم يسجد منا أحد، قالت الحنفية هذا لا يدل على عدم وجوب السجدة لأنه واقعة ويجوز أن يكون ترك السجود لكون القراءة في وقت مكروه أو على غير وضوء أو لتبين أنه غير واجب على الفور، قلنا : لو كان الترك لأجد هذه الأمور لبين ذلك ولئلا يلزم ترك بيان المجمل في وقت الحاجة وبحديث عمر بن الخطاب :( أنه قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس السجود فقال على المنبر رسلكم، الله لم يكتبها إلا أن يشاء ) رواه البخاري ومالك في الموطأ، قال الشيخ ابن حجر زعم المزني أنه من تعليقات البخاري ووهم رواه البيهقي وأبو نعيم، قلت في هذه الحديث حكاية عن الإجماع حيث لم ينكر أحد على قول عمر مع حضورهم لصلاة الجمعة وما ورد فيقول الشيطان أمر ابن آدم بالسجود والظاهر أن المراد بالسجود هناك الجنس دون السجود المخصوص عند التلاوة كيف وإنما الشيطان بالسجود لله تعالى متوجها إلى آدم من غير سبق تلاوة آية.
مسألة :
اختلف العلماء في سجود المفصل ؟ فقال الجمهور بالسجود في النجم وإذ السماء انشقت واقرأ فعندهم سجود القرآن أربعة عشر أو خمسة عشر بناء على خلافهم في الثاني سجدتي الحج وسجدة ص ويذكر هناك عن شاء الله تعالى وقال مالك في رواية لا سجود في المفصل محتجا بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة٢ رواه أبو داود وأبو علي بن السكن من طريق أبي قدامة الحارث بن عبيد عن مطر عن عكرمة وأبو قادمة ومطر، قال الشيخ ابن حجر هما من رجال مسلم لكنهما مضعفان، وقال ابن الجوزي قال أحمد أبو قدامة مضطرب الحديث وقال يحيى ليس بشيء ولا يكتب حديثه وروى الطحاوي وغيره سأل أبي بن كعب هل في المفصل سجدة قال لا لنا حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في إذا السماء انشقت واقرأ انفرد بإخراجه مسلم وفي الصحيحين من طريق آخر عن أبي نافع قال : صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ إذا السماء انشقت فسجد فقلت ما هذا ؟ قال : سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد هنا حتى ألقاه وإسلام أبي هريرة كان سنة ست من الهجرة وحديث ابن عباس قال : سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يعني النجم والمشركون٣، رواه البخاري ورواه الترمذي وصححه، وحديث عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ خمس عشر سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحكام وحسنه المنذري والنووي وضعفه عبد الحق وقال ابن الجوزي لا يعتمد عليه فيه محمد بن راشد كذبوه وحديث عبد الرحمان بن عوف قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في إذا السماء انشقت عشر مرات رواه البزار.
مسألة :
قال أبو حنيفة يجب السجدة على التالي والسامع سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد لإطلاق الموجب أعني الذم على ترك السجود في هذه الآية، وعند الجمهور لا يتأكد السجود على السامع ما لم يقصد السماع لحديث عثمان أنه مر بعاص فقرأ آية السجدة يسجد معه عثمان فقال عثمان إنما السجود على من استمع ثم مضى ولم يسجد رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عنه وذكره البخاري تعليقا وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عثمان إنما السجدة على من جلس لها وحديث ابن عباس أنه قال إنما السجدة لمن جلس لها، رواه البيهقي وابن أبي شيبة.
مسألة :
يجب السجود على السامع وإن لم يسجد القارئ عند أبي حنيفة لإطلاق الأمر وعند الجمهور لا بتأكد على السامع ما لم يسجد القارئ لحديث زيد بن أسلم أن رجلا قرأ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثم قرأ آخر عنده السجدة فلم يجد النبي صلى الله عليه وسلم فقال سجدت لقراءة فلان ولم تسجد لقراءتي، قال : كنت إماما فلو سجدت سجدنا رواه أبو داود، في المراسيل عن زيد بن أسلم ورواه أيضا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار بلاغا وكذا روى الشافعي وقال البيهقي رواه قرة عن الزهري عن أبي هريرة وقرة ضعيف وعند البخاري معلقا عن ابن مسعود.
مسألة :
قال أبو حنيفة يكره قراءة آية السجدة فيما يسر فيها القراءة من الصلاة إن كان إماما لا فيما يجهر بها ولا إن كان مفردا به قال أحمد حتى قال إن أسر بها لا يسجد وعند الشافعي لا يكره مطلقا لحديث ابن عمر سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ آية السجود فسجدوا رواه أبو داود والطحاوي والحاكم.
مسألة :
إذا سجد الإمام سجدوا كذا عند الشافعي مع قوله أنها سنة وكذا قوله في القنوت.
٢ أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: من لم ير السجود في المفصل (١٤٠٢)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: سجود القرآن، باب: سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء (١٠٧١)، وأخرجه الترمذي في كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في السجدة في النجم (٥٧١)..
التفسير المظهري
المظهري