ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿ

ثم حث على السير إلى ما ينال به هذا السر العظيم، فقال :
يا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً .
يقول الحق جلّ جلاله : يا أيها الإِنسانُ خطاب الجنس إِنك كادِحٌ إِلى ربك كَدْحاً فمُلاقِيهِ أي : جاهدٌ جادٌّ في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة : الجد والاجتهاد، أي : إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأنَّ الزمان يطير طيراً وأنت في كل لحظة تقطع حظًّا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام : في الآية نكتة لطيفة، وهي : أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه.
قلتُ : إن كان كدحه في طلب مولاه ؛ حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحُور والقصور، بُشّر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعبٍ، والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر : إنك تُعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألاَّ تخجَل من معاملتك مع خالقك. أه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحاً بالمجاهدة والمكابدة فمُلاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأمّا مَن أُوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يُحاسب حساباً يسيراً " فيُؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسروراً " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي : مسروراً بلقاء ربه، وما نال من قُربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومَن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلاً له لا ينقلب عنه إلى غيره. هـ. وأمّا مَن أُوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبوراً، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئاً، ويصلى سعير القطيعة والبُعد إنه كان في أهله مسروراً منبسطاً في الدنيا، مواجَهاً بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له مَن يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليًّا إلاَّ وله مَن يُؤذيه، يُحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية : قَلَّ أن تجد وليًّا إلاَّ وتحته امرأة تؤذيه. هـ. " إنه " أي : الجاهل ظنّ أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده اللهُ ويُحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيراً بظاهره وباطنه.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير