محيط عالم بما عملوا خبير به فمجازيهم عليه، أو أحاط بهم وحصروا فلا يملكون الإفلات من بأسه وبطشه.
هل أتاك حديث الجنود ( ١٧ ) فرعون وثمود ( ١٨ ) بل الذين كفروا في تكذيب ( ١٩ ) والله من ورائهم محيط ( ٢٠ ) بل هو قرآن مجيد ( ٢١ ) في لوح محفوظ ( ٢٢ )
مازالت الآيات الكريمة تثبت فؤاد النبي وكل مستيقن مصدق راسخ الإيمان باقتدار الملك الديان، وانتقامه من أهل الكفر والطغيان ؛ قد أتاك نبأ الذين تجندوا على الله ورسله بأذاهم ومكرهم ومكروههم والهم بقتلهم، وعتوهم واستكبارهم عذاب الحريق } وذلك أن الجزاء من جنس العمل ؛ قال الحسن البصري : انظروا إلى هذا الكرم والجود ! قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة- والظاهر أن المراد : ثم لم يتوبوا من فتنهم فلهم عذب جهنم أي بسبب فتنهم ذلك ولهم عذاب الحريق وهو نار أخرى زائدة الإحراق... وقال بعض الآجلة : أي فلهم عذاب جهنم بسبب كفرهم، فإن فعلهم ذلك لا يتصور من غير الكافر، ولهم عذاب الحريق بسبب فتنهم المؤمنين والمؤمنات، وفي جعل ذلك جزاء الفتن من الحسن ما لا يخفى... وقال بعضهم : لو جعل الخاص على العام للمبالغة فيه لأن عذاب جهنم بالزمهرير والإحراق وغيرهما كان أقرب... وجملة : فلهم عذاب وقعت خبرا لـ إن ، أو الخبر الجار والمجرور ؛ و عذاب مرتفع به على الفاعلية : وهو الأحسن، والفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط-١.
يقول القرطبي : وكأنهم يعذبون بالزمهرير في جهنم، ثم يعذبون بعذاب الحريق. فالأول عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرها.
إن الذين آمنوا ] أي هؤلاء الذين كانوا آمنوا بالله، أي صدقوا به وبرسله ؛ وعملوا الصالحات لهم جنات أي بساتين تجري من تحتها الأنهار من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى ؛ ذلك الفوز الكبيرِ أي العظيم الذي لا فوز يشبهه، ولا يشابهه شيء اهـ.
إن بطش ربك لشديد كأن في هذا الوعد المزيد من تثبيت البشرى في قلب النبي والمؤمنين أن الله مخزي الكافرين، وموهن كيد الجبارين، ومنتقم ممن يشاقق الرسول ويؤذي أولياء الله المتقين ؛ فإن البطش يعني : الأخذ الأليم العنيف البئيس ؛ إنه هو يبدئ ويعيد إنه عز وجل يبدئ الخلق إنشاء، ثم يعيدهم بعد موتهم أحياء، وسيوفهم بما كانوا قد عملوا جزاء ؛ وهو الغفور الودود وهو الستور يصفح عن ذنوب من يشاء ويسترها عليه فلا يفصح بها يوم تبلى السرائر، ويحصل ما كان في الصدور من النوايا والخواطر كالمحب كثيرا لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، يدعو الله ويعمل عما جاءهم من الهدى من ربهم ؛ فرعون طغى فلما دعي إلى الحق المبين حشر فنادي فقال أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ٢ وأغرقه الله تعالى وملأه وجنده، ونجى موسى ومن معه أجمعين ؛ وثمود نحتوا من الجبال بيوتا، ودلهم نبيهم صالح على الرشد فاستحبوا العمى على الهدى، وقالوا :.. أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ٣ وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله... ٤ فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون.. ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ٥ ؛ فاصبر ومن معك فإن العاقبة للمتقين والخزي والسوء على الكافرين ؛ بل الذين كفروا من قومك لا يصدقون بالوحي الذي جاء، فما هم في جهالة من أخبار فرعون وأعوانه وما غاب عنهم نكال الله تعالى بثمود وقوم صالح، فبيوتهم ما زالت خاوية بما ظلموا ؛ في تكذيب لكن قومك يكذبون ما تدعون إليه إيثارا لأهوائهم.
والله من ورائهم محيط( ٢٠ ) والمعبود بحق مالك أمرهم وسلطانه محيط بهم لن يعجزوا الله تعالى في الأرض ولن يعجزوه هربا، وعلمه سبحانه محيط بكل أقوالهم وأفعالهم وتكذيبهم ومكرهم وهو مجازيهم على ذلك ؛ بل هو قرآن مجيد بل كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله .. كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا... ٦ – تحقيق للحق، أي : بل هو كتاب شريف عالي الطبقة.. قال ابن خالويه : سمعت ابن الأنباري يقول : معناه : بل هو قرآن رب مجيد.. في لوح أي كائن في لوح محفوظ أي ذلك اللوح من وصول الشياطين إليه ؛ وهذا هو اللوح المحفوظ المشهور... ونحن نؤمن به ولا يلزمنا البحث عن ماهيته وكيفية كتابته ونحو ذلك-٧ وربما يكون محفوظ من وصف القرآن الكريم٨ ؛ والله تعالى أعلم.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب