ﮆﮇ

قوله تعالى : عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ هذا في الدنيا ؛ لأن الآخرة ليست دار عمل، فالمعنى : وجوه عاملة ناصبة في الدنيا خاشعة في الآخرة.
قال أهل اللغة : يقال للرجل إذا دأب في سيره : قد عمل يعمل عملاً، ويقال للسحاب إذا دام برقُه : قد عمل يعمل عملاً.
وقوله :«ناصبةٌ » أي : تعبةٌ، يقال : نَصِبَ - بالكسر - ينصبُ نصَباً : إذا تعب ونَصْباً أيضاً، وأنصبه غيره.
قال ابنُ عباسٍ : هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله تعالى، وعلى الكفر مثل عبدة الأوثان، والرهبان، وغيرهم، ولا يقبل الله - تعالى - منهم إلاَّ ما كان خالصاً له١.
وعن علي - رضي الله عنه - أنهم الخوارج الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :«تُحقِّرُونَ صَلاتكُمْ مَعَ صَلاتهِمْ، وصِيامَكُمْ مَعَ صِيَامهِمْ، وأعْمالَكُمْ مَعَ أعْمَالهِمْ، يَمرقُونَ من الدِّينِ كما يَمْرقُ السَّهْمُ من الرميّّة » الحديث٢.
وروى سعيد عن قتادة :«عاملةٌ ناصبةٌ » قال : تكبرت في الدنيا عن طاعة الله - عز وجل -، فأعملها الله وأنصبها في النار، بجر السلاسل الثِّقال، وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات في يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ٣.
قال الحسن وسعيد بن جبير : لم تعمل لله في الدنيا ولم تنصب له، فأعملها وأنصبها في جهنم.
وقرأ ابن كثير في رواية، وابن محيصن وعيسى وحميد٤ :«نَاصِبةٌ » بالنصب على الحال.
وقيل : على الذَّم.
والباقون : بالرفع، على الصفة، أو إضمار مبتدأ فيوقف على «خاشعة ».
ومن جعل المعنى : في الآخرة جاز أن يكون خبراً بعد خبر عن «وجوه »، فلا يوقف على «خاشعة » [ وقيل : عاملة ناصبة أي : عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة، وعلى هذا يحمل وجوه يومئذ عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة خاشعة ]٥.
وروى الحسن، قال : لما قدم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - «الشام »، أتاه راهب، شيخ كبير عليه سواد، فلما رآه عمر - رضي الله عنه بكى فقيل : يا أمير المؤمنين ما يبكيك ؟ قال : هذا المسكين طلب أمراً فلم يصبه ورجا رجاءً فأخطأه وقرأ قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ٦.

١ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/٢٠)..
٢ ينظر المصدر السابق، وتقدم تخريج الحديث..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٥١) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٧٢) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٤٧٢، والبحر المحيط ٨/٤٥٧، وزاد: عكرمة والسدي، والدر المصون ٦/٥١٢..
٥ سقط من: ب..
٦ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/٢٠) عن الحسن وبمعناه عن أبي عمران الجوني أخرجه الحاكم وعبد الرزاق وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٦/٥٧٣)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية