ﮆﮇ

قوله : عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ معنى عاملة أنها تعمل عملاً شاقاً. قال أهل اللغة : يقال للرجل إذا دأب في سيره : عمل يعمل عملاً، ويقال للسحاب إذا دام برقه : قد عمل يعمل عملاً. قيل : وهذا العمل هو جرّ السلاسل والأغلال، والخوض في النار. نَّاصِبَةٌ أي تعبة. يقال نصب بالكسر ينصب نصباً : إذا تعب، والمعنى : أنها في الآخرة تعبة لما تلاقيه من عذاب الله. وقيل : إن قوله : عَامِلَةٌ في الدنيا إذ لا عمل في الآخرة : أي تعمل في الدنيا بالكفر والمعاصي، وتَنْصَبُ في ذلك. وقيل : إنها عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة، والأوّل أولى. قال قتادة عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها الله، وأنصبها في النار بجرّ السلاسل الثقال وحمل الأغلال والوقوف حفاة عراة في العرصات فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج : ٤ ] قال الحسن وسعيد بن جبير : لم تعمل لله في الدنيا ولم تنصب فأعملها وأنصبها في جهنم. قال الكلبي : يجرّون على وجوههم في النار. وقال أيضاً : يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم، فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب بمعالجة السلاسل والأغلال والخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل. قرأ الجمهور عاملة ناصبة بالرفع فيهما على أنهما خبران آخران للمبتدأ، أو على تقدير مبتدأ، وهما خبران له، وقرأ ابن محيصن وعيسى وحميد وابن كثير في رواية عنه بنصبهما على الحال أو على الذم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الغاشية من أسماء القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية قال : الساعة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشعة * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ قال : تعمل وتنصب في النار تسقى مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ قال : هي التي قد طال أنيها. لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ قال : الشبرق. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشعة * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ قال : يعني اليهود والنصارى تخشع ولا ينفعها عملها تسقى مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ قال : قد أني غليانها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : تصلى نَاراً حَامِيَةً قال : حارّة. تسقى مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ قال : انتهى حرّها لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ يقول : من شجر من نار. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضاً إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ قال : الشبرق اليابس. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغية يقول : لا تسمع أذى ولا باطل وفي قوله : فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ قال : بعضها فوق بعض وَنَمَارِقُ قال : مجالس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً : وَنَمَارِقُ قال : المرافق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً لَّسْتَ عَلَيْهِم بمصيطر قال : جبار. إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ قال حسابه على الله. وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضاً لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ ثم نسخ ذلك فقال : فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ [ التوبة : ٥ ] وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ قال : مرجعهم.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية