ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ

- قدر عليه رزقه : بمعنى ضيقه عليه.
-أهانني : هنا بمعنى وضع قدري وتقصد ضرري وإهانتي، وفي الآيات الأربع التالية تأنيب ردعي وتكذيبي.
فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ ١ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ٢ ( ١٥ ) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ٣ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ٤ ( ١٦ ) كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( ١٧ ) وَلَا تَحَاضُّونَ ٥ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ( ١٨ ) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ ٦ أَكْلًا لَّمًّا ٧( ١٩ ) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ( ٢٠ ) [ ١٥- ٢٠ ].

في الآيتين الأوليين :


١-
عرض لصورة من تفكير الإنسان وتلقيه في حالتي الغنى والفقر والنعيم والبؤس. ففي الأولى يظن أن الله إنما يسّر له ذلك عناية به ورفعا لقدرة واهتماما لشأنه. وفي الثانية يظن أن الله إنما اختصه بذلك حطّاً من قدره وإهانة له في نظر الناس.

٢-
تقرير بأن ذلك ليس كما يظن الإنسان في حاليه. ونفي ردعي لهذا الظن. وإنما هو امتحان رباني، ليظهر موقفه من الله والناس في حالتي اليسر والعسر والنعيم والبؤس.
ويلمح أن الآيات الأربع الأخيرة قد جاءت على أسلوب الحكيم، فالآيتان السابقتان لها تعرضان إلى الخطأ في تفكير الناس في حالتي السعة والضيق واليسر والعسر، مع تقريرهما أن ذلك امتحان رباني. فجاءت الآيات تلفت نظرهم إلى خطيئات أخرى هم واقعون فيها وتندد بهم من أجلها وتكذبهم في أقوالهم وتعليلاتهم.
وقد روى بعض المفسرين١ : أن الآيات أو القسم الأول منها نزل في أمية بن خلف أحد زعماء قريش مع أن أسلوبها عام مطلق كسابقاتها، وهي منسجمة مع بعضها انسجاماً قوياً. وكلام الطبري شيخ المفسرين يفيد أنها عرض عام لظنون المنحرفين من الناس وسلوكهم بصورة مطلقة.
ولقد انطوى فيها تلقينات جليلة مستمرة المدى. فالمرء ينبغي ألاّ تبطره النعمة واليسار فيخرج عن حده بالخيلاء والغرور، وزعم اختصاص الله إياه بالحظوة، كما أنه لا ينبغي أنه يداخله غم ويأس إذا ما حل فيه ضيق وعسر فيعتبر ذلك نقمة وإهانة اختصه الله بهما. فكثيراً ما يكون في الثورة والرخاء بلاء وكثيراً ما يكون في الفقر والخصاصة راحة نفس وسلامة دين وعرض. ومن الواجب أن يرى كل من الفريقين كذلك أنهما إزاء واختبار رباني ؛ وأن على الميسور أن يشكر الله ويقوم بواجبه نحوه ونحو الناس وخاصة ضعفاءهم وذوي الحاجة منهم وأن على المعسر أن يصبر ويصابر. ومن تلقينات تقرير كون الغنى والفقر عرضين تابعين لنواميس الكون ومن جملتها قابليات الناس وظروفهم التي لا تبقى على وتيرة واحدة. ولا يصح أن يظن ظانّ أنهما اختصاص رباني بقصد التكريم والإهانة ورفع القدر أو حطه.
ومن تلقيناتها كذلك : أن جعل المال أكبر الهمّ وقصارى المطلب واستباحة البغي والظلم في سبيل الحصول عليه وحرمان المحتاجين والضعفاء من المساعدة والعطف والبر بتأثير حب المال من الأخلاق الذميمة التي يجب على الإنسان وعلى المسلم من باب أولى اجتنابها والترفع عنها. ويلفت النظر بخاصة إلى الآيات وتأكلون التراث أكلا لما( ١٩ ) وتحبون المال حبا جما( ٢٠ ) التي جاءت بعد الآيات : كلا بل لا تكرمون اليتيم ( ١٧ ) ولا تحاضون على طعام المسكين( ١٨ ) [ ١٧- ١٨ ]التي تنطوي على تنديد لاذع لمن يفعل ما جاء فيها ؛ حيث يلمح فيها إيذان قرآني بكراهية الاستكثار من حيازة المال والحرص الشديد عليه وعدم إنفاقه على المحتاجين والفقراء. ولهذا دلالة خطيرة المدى ولاسيما أنه بدأ منذ أوائل التنزيل القرآني واستمر يتكرر إلى آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم الذي نزل فيه آيات سورة التوبة هذه التي كانت من أواخر ما نزل : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣٤ ) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ( ٣٥ ) [ ٣٤- ٣٥ ].
وهناك أحاديث كثيرة تتساوى في التلقين المنطوي في الآيات بالنسبة للأمر الأخير بخاصته. منها حديث رواه البخاري عن أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن المكثرين هم المقلّون يوم القيامة إلاّ من أعطاه الله خيراً فنفخ فيه يمينَه وشمالَه وبين يديه ووراءه وعملَ فيه خيراً )٢. وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" تَعسَ عبد الدينار والدّرهم والقطيفَة والخَميصَة إن أعطيَ رضيَ وإن لم يُعطَ لم يرضَ )٣. وحديث رواه الترمذي ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( قد أفلح من أسلم وكان رزقه كَفافاً وقنّعه الله. وفي رواية طوبَى لمن هُديَ إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقَنعَ )٤. وحديث رواه الترمذي والإمام أحمد عن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه )٥وحديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس قال :( قدم أبو عبيدة بمال من البحرين وانتظر بعض الصحابة فقال رسول الله لهم : والله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطَتْ على من كان قبلكم، فتنافَسُوها كما تنافَسوها، وتهلِكَكم كما أهلكَتهُم )٦. وحديث رواه الترمذي عن كعب بن عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن لكل أمّة فتنةً وفتنةُ أمتي المال )٧. وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لو كان لي مثلُ أُحُد ذهباً لسرّني ألا تمرَّ بي ثلاث ليال وعندي منه شيءٌ إلا شيئا أرصده لدين )٨. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوبُ الله على من تابَ )٩. وحديث رواه الشيخان عن أبي سعيد جاء فيه :( إنّ هذا المالَ حُلوةٌ من أخذَهُ بحقّه ووضعَه في حقّه فنعم المعونةُ هو، ومَن أخذَه بغير حقه كان كالذي يأكلُ ولا يشبعُ )١٠.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير