قوله تعالى : أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ الآية.
لمَّا قال في الآية الأولى عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ التوبة : ١٠٢ ] ولمْ يُصرِّح في قبول توبتهم، صرَّح في هذه الآيةِ بأنه يقبلُ التَّوبةَ عن عباده، وأنَّهُ يأخذُ الصَّدقات، أي : يقبلها. قال أبُو مسلمٍ قوله :" أَلَمْ يعلموا " وإن كان بصيغة الاستفهام، إلاَّ أنَّ المقصود منه التقدير في النَّفس، ومن عادة العرب في إفهام المخاطب، وإزالة الشَّك عنه أن يقولوا : أما علمتَ أنَّ من علَّمكَ يجبُ عليك خدمته، أما علمت أنَّ من أحسن إليك يجبُ عليك شكره، فبشَّر اللهُ هؤلاء التَّائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم. ثم زاده تأكيداً بقوله : هُوَ التواب الرحيم .
وقرأ الحسن١ بخلاف عنه " ألَمْ تعْلمُوا " قال أبُو حيَّان :" وفي مصحف٢ أبَيّ " ألَمْ تَعْلمُوا " بالخطاب، وفيه احتمالات، أحدها : أن يكون خطاباً للمتخلِّفين الذين قالوا : ما هذه الخاصّيّة التي اختصّ بها هؤلاء ؟ وأن يكون التفاتاً من غير إضمارِ قولٍ، والمرادُ : التَّائبون، وأن يكون على إضمار قولٍ، أي : قل لهم يا محمد : ألمْ تعلمُوا ".
قوله :" هُوَ يَقْبَلُ " " هو " مبتدأ، و " يَقْبَلُ " خبره، والجملةُ خبر " أنَّ "، و " أنَّ " وما في حيِّزها سادةٌ مسدَّ المفعولين، أو مسدَّ الأول. ولا يجوزُ أن يكون " هو " فصلاً، لأنَّ ما بعده لا يوهم الوصفيَّة، وقد تقدَّم تحريرُ ذلك، قوله :" عَنْ عبادِهِ " معلقٌ ب " يَقْبَلُ " وإنَّما تعدَّى ب " عَنْ " فقيل : لأنَّ معنى " مِنْ " ومعنى " عَنْ " متقاربان.
قال ابنُ عطيَّة٣ :" وكثيراً ما يتوصَّل في موضع واحد بهذه وبهذه، نحو :" لا صدقَةَ إلاَّ عَنْ غنى، ومِنْ غنى "، وفعل ذلك فلانٌ من أشره وبطره، وعن أشره وبطره ". وقيل : لفظة " عَنْ " تُشْعر ببعدٍ ما، تقول : جلسَ عن يمين الأمير، أي : مع نَوْعٍ من البُعْدِ. والظَّاهِرُ أنَّ " عَنْ " للمجاوزة على بابها، والمعنى : يتجاوزُ عن عباده بقبول توبتهم، فإذا قلت : أخذت العلم عن زيد ؛ فمعناه المجاوزةُ، وإذا قلت " منه " فمعناه ابتداء الغاية. قال القاضي :" لعلَّ " عَنْ " أبلغ ؛ لأنَّهُ ينبىء عن القبُولِ مع تسهيل سبيله إلى التَّوبة التي قبلت " قوله :" وَيَأْخُذُ الصدقات " فيه سؤالٌ : وهو أنَّ ظاهر هذه الآية يدلُّ على أنَّ الآخذ هو الله تعالى، وقوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً يدلُّ على أنَّ الآخذ هو الرَّسُولُ - عليه الصلاة والسلام -، وقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ " خذها من أغنِيائهم " ٤ يدلُّ على أنَّ آخذ تلك الصدقات معاذ، وإذا دفعت إلى الفقير فالحسُّ يشهد أن آخذها هو الفقير، فكيف الجمع بين هذه الألفاظ ؟.
والجوابُ من وجهين :
الأول : أنَّهُ تعالى لمَّا قال خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ثمَّ ذكر ههنا أنَّ الآخذ هو، علم منه أنَّ أخذ الرسول قائم مقام أخذ الله، والمقصود منه : التنبيه على تعظيم شأنِ الرسول - عليه الصلاة والسلام -، ونظيره قوله : إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله [ الفتح : ١٠ ].
والثاني : أنَّهُ أضيف إلى الرسول، بمعنى أنَّهُ يأمر بأخذها، ويبلغ حكم الله في هذه الواقعة إلى النَّاس، وأضيف إلى الفقير، بمعنى أنَّهُ هو الذي يباشرُ الأخذ، ونظيره أنَّهُ أضاف التوفي إلى نفسه بقوله تعالى : وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم [ الأنعام : ٦٠ ]، وأضافه إلى ملك الموتِ بقوله : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت [ السجدة : ١١ ] وأضافه إلى الملائكة الذين هم أتباع ملك الموت بقوله : حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [ الأنعام : ٦١ ]، فأضيف إلى الله بالخلق، وإلى ملك الموت بالرئاسة في ذلك النَّوع من العمل، وإلى أتباع ملك الموت بالمباشرة التي عندها يخلق الله الموت، فكذا ههنا.
قوله :" هُوَ التواب " يجوزُ أن يكون فصلاً، وأن يكون مبتدأ بخلاف ما قبله.
فصل
روى أبو هريرة قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ :" والَّذي نَفْسِي بيدهِ مَا مِنْ عبْدٍ يتصدَّقُ بصدقةٍ من كَسْب طيِّب ولا يَقْبلُ اللهُ إلاَّ طيباً، ولا يصْعَدُ إلى السَّماء إلاَّ الطَّيِّبُ إلاَّ كأنما يضعُها في يدِ الرَّحمنِ فيُربيها لهُ كما يُرَبِّي أحدُكمْ فلُوَّهُ حتَّى إنَّ اللُّقْمةَ لتأتِي يَوْمَ القيامةِ، وأنَّها لمِثْلُ الجبل العظيم "، ثم قرأ : أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات ٥.
٢ ينظر: السابق..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٣/٧٩..
٤ تقدم..
٥ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٤٩٣) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي الشيخ..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود