هذه الآيات الثلاث في بيان فوائد صدقة الأموال ومنافعها، والحث عليها، وعلى التوبة لمن قصر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه، أو في غير ذلك من أمور دينه. وفي الحث على العمل، وكونه هو الذي عليه المعول.
ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده أي ألم يعلم أولئك التائبون من ذنبهم أن الله هو الذي يقبل توبة التائبين من عباده، ولم يجعل ذلك لرسوله، بَلْه من دونه من خلقه، فالاستفهام لتقرير ما دل عليه القرآن وكونه هو الذي حملهم على التوبة، أو ألم يعلم المؤمنون كافة هذا وهو مقتضى الإيمان وموجبه ؟ والاستفهام على هذا تحضيض على العلم وما يستلزمه من التوبة. وقبول التوبة عنهم، قيل : إنه بمعنى قبولها منهم، نحو : لا صدقة إلا عن غنى ومن غنى، وقيل : إن القبول هنا قد تضمن معنى التجاوز والصفح، أي هو الذي يقبلها منهم متجاوزا عن ذنوبهم عفوا عنها، وهذا أبلغ.
ويأخذ الصدقات أي يتقبلها بأنواعها ويثيب عليها، ويعده إقراضا له فيضاعف ثوابها، بمقتضى وعده في مثل قوله : إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ [ التغابن : ١٧ ] وقوله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة [ البقرة : ٢٣٥ ]، فأخذ الصدقات له ثلاث صور :
إحداها : أخذ الفقراء والمساكين وغيرهم إياها من المستحقين من يد المتصدق.
الثانية : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في عهده والأئمة من بعده إياها لأجل وضعها في مصارفها التي أمر الله بها.
الثالثة : أخذ الله عز وجل إياها، وهو قبولها للإثابة عليها بالمضاعفة التي وعدها.
وفي التعبير بأخذ الله تعالى بعد قوله للنبي خذ من أموالهم صدقة تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم بكونه تعالى هو الذي يأخذ ما أمره بأخذه.
وأن الله هو التواب الرحيم أي وأنه هو الذي يقبل التوبة بعد التوبة من كل مذنب يشعر بضرر ذنبه، ويتوب عنه منيبا إلى ربه، مهما يتكرر ذلك، الرحيم بالتائبين الذي يثيبهم. فصيغة المبالغة ( التواب ) تتحقق بكثرة التائبين وبتكرار التوبة من المذنب الواحد الذي يمنعه الخوف من ربه، أن يصر على ذنبه، كما قال تعالى في وصف المتقين والَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ ولَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وهُمْ يَعْلَمُونَ [ آل عمران : ١٣٥ ]، وفي الحديث " ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة " ١. روى الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعا :" ما تصدق أحدكم من كسب حلال طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله " ٢، والحديث تمثيل لمضاعفته تعالى للصدقة المقبولة.
وهذه الجملة الاسمية المؤكدة بأن وبضمير الفصل الدالة على الحصر، وما فيها من صيغة المبالغة بمعنى الكثرة من التوبة، ومبالغة الصفة الراسخة من الرحمة تفيد أعظم البشرى للتائبين، وأبلغ الترغيب في التوبة للمذنبين، كما لا يخفى على المتدبرين.
٢ أخرجه البخاري في الزكاة باب ٨، والتوحيد باب ٢٣، ومسلم في الزكاة حديث ٦٣، ٦٤..
تفسير المنار
رشيد رضا