قد يظن أحد أن ( خلّفوا ) هنا تدل على أن أحدا قال لهم : اقعدوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمن لم يقل لهم أحد هذا. إنما ( خلّفوا ) معناها : لم يظهر أمر الشارع فيهم كما ظهر في غيرهم بل قال الحق فيهم من قبل : وآخرون مرجون لأمر الله ، وما دام قد تأخر فيهم الحكم فلا بد من الانتظار.
{ وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم( ١١٨ ) ( التوبة ).
ونعلم أن الإنسان إذا شغله همّ يحدّث نفسه بأن يترك المكان الذي يجلس فيه، ويسبب له الضيق، ولعل الضيق ينفك١. ولكن هؤلاء الثلاثة قابلوا الضيق في كل مكان ذهبوا إليه حتى ضاقت عليهم الأرض بسعتها، فلم يجد واحد منهم مكانا يذهب إليه، وهذا معناه أن الكرب الذي يحيطهم قد عمّ، والإنسان قد تضيق عليه الأرض بما رحبت ولكن نفسه تسعه.
والحق يقول عنهم : وضاقت عليهم أنفسهم أي : ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم أيضا، فقد تخلف الثلاثة عن الغزوة، لا لعذر إلا مجرد الكسل والتواني، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بمقاطعتهم، فكان كعب بن مالك٢ يخرج إلى السوق فلا يكلمه أحد، ويذهب إلى أقربائه فلا يكلمه أحد، ويتسوّر٣ عليهم الحيطان لعلهم ينظرون إليه، فلا ينظرون إليه. وبعد ذلك يتصاعد الأمر في عزل هؤلاء، حتى تعدى إلى نسائهم، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يقربوا نساءهم٤ هكذا بلغ العزل٥ مبلغا شديدا ودقيقا، فقد كان التحكم أولا فالمجتمع، ثم في الأقارب، ثم في خصوصيات السكن وهي المرأة، حتى إن امرأة هلال بن أمية ذهبت إليه وقالت : يا رسول الله إن هلال بن أمية، رجل مريض، وأنا أستأذنك في أن أصنع له ما يقيمه قال لها :" ولكن لا يقربنك " قالت : والله يا رسول الله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ أن كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. وذهب بعض المسلمين إلى كعب بن مالك ليبلغوه أن رسول الله صرح لامرأة هلال أن تخدمه، و قالوا له : اذهب إلى رسول الله واستأذنه أن تخدمك امرأتك.
قال : إن هلالا رجل شيخ، فماذا أقول لرسول الله وأنا رجل شاب ؟ والله لا أذهب له أبدا.
وظل الثلاثة في حصار نفسي ومجتمعي لمدة خمسين يوما إلى أن جاء الله بالتوبة، وفي هذا تمحيص٦ لهم، فكعب ابن مالك-على سبيل المثال- يقص عن حاله قبل الغزوة قائلا :" لم أكن قط أقوى ولا أيسر منّى حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة " أي : أنه لم يكن عذر يمنعه.
بعد ذلك يجيء البشير بأن الله قد تاب عليهن فيأتي واحد من جبل سلع فيقول : يا كعب أبشر بخير يوم مرّ عليك. فقد أنزل الله فيك قرآنا وأنه تاب عليك.
قال كعب : فلم أجد عندي ما أهديه له لأنه بشّرني إلا ثوبّي فخلعتهما وأعطيتهما له، ثم استعرت ثوبين ذهبت بهما إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال : يا رسول الله، إن من تمام توبي أن أنخلع من مالي-الذي سبّب لي هذا العقاب- صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم٧.
إذن : فتأخر الحكم كان المراد منه تمحيص هؤلاء، إعطاء الأسوة لغيرهم. فحين يرون أن الأرض قد ضاقت علهم ربما رحبت، وكذلك ضاقت عليهم أنفسهم يتيقنون من قول الحق :
وظنوا أن لا ملجأ٨ من الله إلا إليه... ( ١١٨ ) ( التوبة )أي : أن أحدا لا يجير إلا الله، وسبحانه يجير من نفسه. كيف ؟ أنت تعلم أنك سلعة لا يجيرك إلا من يتعقبك، فاعلم أنه لا سلطان لأحد أبدا ؛ ولذلك نقول : أنت تلجأ إلى الله لا من خلقه، ولكنك تلجأ٩ إلى الله ليحميك من الله، فسبحانه له صفات جلال صفات جمال، وتتمثل صفات الجلال في أنه : قهار، وجبار، ومنتقم، وشديد البطش، إلى آخر تلك الصفات. وفي الحق سبحانه صفات جمال مثل غفور، ورحيم، وغيرها، فإذا ما أذنب الإنسان ذنبا، فالمجال في هذه الحالة أن يعاقب من صفات الجلال، ولا ينفع العبد وقاية من صفات الجلال إلا صفات الجمال.
كلنا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا الله بقوله :" أعوذ بك منك " ١٠ أيك أعوذ بصفات الجمال فيك من صفات جلالك فلن يحميني من صفات جلالك إلا صفات جمالك.
ولذلك حينما جاء في الحديث الشريف عن آخر ليلة من رمضان قوله صلى الله عليه وسلم :" فإذا ما كانت آخر ليلة من رمضان تجلّى الجبّار بالمغفرة ".
يظن بعض الناس أن هذه المسألة غير منطقية، فكيف يتجلّى الجبّار بالمغفرة ؟ ألم يكن من المناسب أن يقال :" يتجلّى الغفّار " ؟ ونقول : لا ؛ فإن المغفرة تقتضي ذنبا، ويصبح المقام لصفة الجبار، وهكذا تأخذ صفة الرحمة من صفة الجبار سلطتها، وكأننا نقول : يا جبار أنت الحق وحدك، لكننا نتشفع بصفات جمالك عند صات جلالك. هذا هو معنى :" يتجلى الجبار بالمغفرة "
وقد سمع الأصمعي١١- وهو يطوف- مسلما عند باب الملتزم، يقول اللهم إني أستحي أن أطلب منك المغفرة ؛ لأني عصيتك، ولكني تطلّعت فلم أجد لها سواك.
فقال له : يا هذا، إن الله يغفر لك لحسن مسألتك١٢.
ثم يقول الحق سبحانه : ثم تاب عليهم ليتوبوا والتوبة أولا-كمال عرفنا- هي تشريعها، تأتي التوبة بالقبول، وقوله : ليتوبوا أي : أنها تصبح توبة رجوع وعودة إلى ما كانوا عليه قبل المعصية.
وينهي الحق الآية بقوله : إن الله هو التواب الرحيم فلا توّاب ولا رحيم سواه سبحانه وتعالى.
٢ كان كعب بن مالك يجالد الناس ويخرج للناس يتلمس منهم أن يكلموه، أما صاحباه مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فقد لزما بيتهما، أما هو فبقول:"كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني"..
٣ تسور: تسلق الحائط حتى علاه. ومنه قوله تعالى:وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (٢١)(ص).
٤ وفي هذا يقول كعب:"حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبت الوحي إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها"..
٥ وهو يسمى بالعزل العام اجتماعيا وأسريا ونفسيا..
٦ تمحيص ابتلاء واختبار وتخليص من الذنوب. وقد بلغ البلاء مداه بكعب أن ملك غسان بعث له كتابا يقول له فيه قد بلغنا- يقصد محمدا- قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك". فألقى به كعب بعد قرائته في النار..
٧ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمسك بعض مالك فهو خير لك" فقال كعب: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. والحديث بطوله أخرجه في صحيحه (٤٤١٨) ومسلم (٢٧٦٩).
٨ ملجأ: المعقل والملاذ والمجير..
٩ اللجوء يكون إلى صفات الجمال للحماية من صفات الجلال، وهنا يكون اللجوء إلى الله ليحميك من الله..
١٠ قطعة من حديث أخرجه مسلم (٤٨٦) وأحمد في مسنده (٦/٥٨، ١٢٠) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد. وهما منصوبتان وهو يقول:"اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".
١١ الأصمعي: هو عبد الملك بن قريب أبو سعيد الأصعمي، أحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان، مولده ووفاته في البصرة عن ٩٥ عاما، وتوفي عام ٢١٦ الأعلام للزركي (٤/١٦٢).
١٢ ومما يروي أيضا عن الأعصمي في نفس هذا المعنى أنه سمع أعرابيا يدعو الله وهو يقول: هربت إليك بنفسي، يا ملجأ الهاربين بأثقال الذنوب، أحملها على ظهري، لا أجد شافعا إلا معرفتي بأنك أكرم قصد إليه المضطرون، وأمل فيما لديه الراغبون؟ انظر الأمالى لأبى على القلى (١/٣٢).
تفسير الشعراوي
الشعراوي