ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

وفي هذا الربع نفسه تولى كتاب الله الحديث عن قصة الثلاثة الذين خلفوا، وعن توبتهم التي سارت بذكرها الركبان، وسجلها الوحي بأحرف من نور في سور القرآن، حتى سميت بها هذه السورة الكريمة " سورة التوبة ".
وإلى هذه القصة يشير قوله تعالى : وعلى الثلاثة الذين خلفوا، حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم .
وخلاصة هذه القصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى غزوة تبوك حين طابت الثمار، وبردت الظلال، وخرج في حر شديد، وهي " العسرة " التي افتضح فيها الناس، وكان ممن تخلف عنه ثلاثة : كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. فلما قفل رسول الله من غزوة تبوك دخل إلى المسجد، فجاء من تخلف عنه يعتذرون إليه وهم ثمانون رجلا، فقبل النبي ظاهر حالهم ووكل سرائرهم إلى الله، إلا هؤلاء الثلاثة فإنهم لم يعتذروا، وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة أمرهم، وكان مما قاله له أحدهم، وهو كعب بن مالك : " يا رسول الله لو جلست عند غيرك لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لكني والله لقد علمت لئن حدثتك بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه أني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل، والله يا رسول الله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ). قال كعب بن مالك وهو يروي تمام القصة كما وردت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة : " فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، فلا يكلمني منهم أحد، وآتي رسول الله وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه وأقول في نفسي : أحرك رسول الله شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي وهو جالس نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي هجر المسلمين.. ومضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله يأتيني يقول : " يأمرك رسول الله أن تعتزل امرأتك " فقلت له : " أطلقها أم ماذا أفعل ؟ " فقال : " بل اعتزلها ولا تقربها ". وأرسل رسول الله إلى صاحبي بمثل ذلك... فلبثنا على هذا الحال عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، ثم صليت صلاة الصبح صباح الخمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى في هذه الآية قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته : " أبشر يا كعب بن مالك، أبشر " فخررت ساجدا لله، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا، فأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم توبة الله علينا، وأعلم بها المسلمين حين صلى الفجر، فأقبل الناس يبشروننا، ولما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله –أي أقصده- وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بتوبة الله، يقولون : ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس في المسجد والناس حوله، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره – وكان كعب لا ينساها لطلحة- فلما سلمت على رسول الله قال وهو يبرق وجهه من السرور : " أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ". فقلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ فقال : " لا بل من عند الله ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله : " إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ". فقال عليه السلام : " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ". فقلت يا رسول الله : " إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقي ".
فهذه هي قصة " الثلاثة الذي خلفوا " كما حكاها كعب بن مالك أحد الثلاثة، ورواها البخاري ومسلم في الصحيحين وغيرهما من أئمة الحديث، وهي أحسن تفسير لقوله تعالى في هذه السورة وعلى الثلاثة الذين خلفوا أي خلفوا عن بقية المعتذرين الذين حلفوا واعتذروا، لأن هؤلاء الثلاثة فضلوا الصدق على الحلف، فلم يحلفوا ولم يعتذروا وصدقوا الله ورسوله، وقضوا خمسين ليلة مهجورين من الرسول والمؤمنين وهم صابرون ينتظرون فرج الله، وعفوه عنهم، وقبول توبتهم، إلى أن نزل بقبول توبتهم الوحي من عند الله حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي مع سعتها وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه والظن هنا بمعنى اليقين ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم . قال القاضي أبو بكر " ابن العربي " : " وفيه دليل على أن للإمام أن يعاقب المذنب بتحريم كلامه على الناس أدبا له ".

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير