ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

هذا المقطع الأخير من السورة - أو الدرس الأخير فيها - بقية في الأحكام النهائية في طبيعة العلاقات بين المجتمع المسلم وغيره ؛ تبدأ من تحديد العلاقة بين المسلم وربه، وتحديد طبيعة " الإسلام " الذي أعلنه ؛ ومن بيان تكاليف هذا الدين، ومنهج الحركة به في مجالاته الكثيرة.
إن الدخول في الإسلام صفقة بين متبايعين.. اللّه - سبحانه - فيها هو المشتري والمؤمن فيها هو البائع. فهي بيعة مع اللّه لا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه ولا في ماله يحتجزه دون اللّه - سبحانه - ودون الجهاد في سبيله لتكون كلمة اللّه هي العليا، وليكون الدين كله للّه. فقد باع المؤمن للّه في تلك الصفقة نفسه وماله مقابل ثمن محدد معلوم، هو الجنة : وهو ثمن لا تعدله السلعة، ولكنه فضل اللّه ومَنَّه :
( إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن. ومن أوفى بعهده من اللّه ؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم ).
والذين بايعوا هذه البيعة، وعقدوا هذه الصفقة هم صفوة مختارة، ذات صفات مميزة.. منها ما يختص بذوات أنفسهم في تعاملها المباشر مع اللّه في الشعور والشعائر ؛ ومنها ما يختص بتكاليف هذه البيعة في أعناقهم من العمل خارج ذواتهم لتحقيق دين اللّه في الأرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام على حدود اللّه في أنفسهم وفي سواهم :
( التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون الساجدون، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود اللّه. وبشر المؤمنين ).
والآيات التالية في السياق تقطع ما بين المؤمنين الذين باعوا هذه البيعة وعقدوا هذه الصفقة، وبين كل من لم يدخلوا معهم فيها - ولو كانوا أولى قربى - فقد اختلفت الوجهتان، واختلف المصيران، فالذين عقدوا هذه الصفقة هم أصحاب الجنة، والذين لم يعقدوها هم أصحاب الجحيم. ولا لقاء في دنيا ولا في آخرة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم. وقربى الدم والنسب إذن لا تنشئ رابطة، ولا تصلح وشيجة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم :
( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - ولو كانوا أولي قربى - من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ).
( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه. إن إبراهيم لأواه حليم )..
وولاء المؤمن يجب أن يتمحض للّه الذي عقد معه تلك الصفقة ؛ وعلى أساس هذا الولاء الموحد تقوم كل رابطة وكل وشيجة - وهذا بيان من اللّه للمؤمنين يحسم كل شبهة ويعصم من كل ضلالة - وحسب المؤمنين ولاية اللّه لهم ونصرته ؛ فهم بها في غنى عن كل ما عداه، وهو مالك الملك ولا قدرة لأحد سواه :
( وما كان اللّه ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، إن اللّه بكل شيء عليم )،
( إن اللّه له ملك السماوات والأرض، يحيي ويميت، وما لكم من دون اللّه من ولي ولا نصير ).
ولما كانت هذه طبيعة تلك البيعة ؛ فقد كان التردد والتخلف عن الغزوة في سبيل اللّه أمراً عظيماً، تجاوز اللّه عنه لمن علم من نواياهم الصدق والعزم بعد التردد والتخلف ؛ فتاب عليهم رحمة منه وفضلاً :
( لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ؛ ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ).
( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ؛ ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن اللّه هو التواب الرحيم ).
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )
ومن ثم بيان محدد لتكاليف البيعة في أعناق أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ؛ أولئك القريبون من رسول اللّه - [ ص ] - الذين يؤلفون القاعدة الإسلامية، ومركز الانطلاق الإسلامي ؛ واستنكار لما وقع منهم من تخلف ؛ مع بيان ثمن الصفقة في كل خطوة وكل حركة في تكاليف البيعة :
( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول اللّه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل اللّه، ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن اللّه لا يضيع أجر المحسنين )،
( ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم، ليجزيهم اللّه أحسن ما كانوا يعملون )
ومع هذا التحضيض العميق على النفرة للجهاد بيان لحدود التكليف بالنفير العام. وقد اتسعت الرقعة وكثر العدد، وأصبح في الإمكان أن ينفر البعض ليقاتل ويتفقه في الدين ؛ ويبقى البعض للقيام بحاجيات المجتمع كله من توفير للأزواد ومن عمارة للأرض، ثم تتلاقى الجهود في نهاية المطاف :
( وما كان المؤمنون لينفروا كافة. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، لعلهم يحذرون ! )
وفي الآية التالية تحديد لطريق الحركة الجهادية - بعدما أصبحت الجزيرة العربية بجملتها قاعدة للإسلام ونقطة لانطلاقه - وأصبح الخط يتجه إلى قتال المشركين كافة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للّه.. وقتال أهل الكتاب كافة كذلك حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون :
( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن اللّه مع المتقين )..
وعقب هذا البيان المفصل لبيان طبيعة البيعة ومقتضياتها وتكاليفها وخطها الحركي.. يعرض السياق مشهداً من صفحتين تصوران موقف المنافقين وموقف المؤمنين من هذا القرآن وهو يتنزل بموحيات الإيمان القلبية، وبالتكاليف والواجبات العملية. ويندد بالمنافقين الذين لا تهديهم التوجيهات والآيات، ولا تعظهم النذر والابتلاءات :
( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول : أيكم زادته هذه إيماناً ؛ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون ).
( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ).
( أو لا يرون أنهم يُفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ؟ )
( وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض : هل يراكم من أحد ؟ ثم انصرفوا. صرف اللّه قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون )..
ويختم الدرس وتختم معه السورة بآيتين تصوران طبيعة رسول اللّه - [ ص ] - وحرصه على المؤمنين ورأفته بهم ورحمته. مع توجيهه - [ ص ] - إلى الاعتماد على اللّه وحده، والاستغناء عن المعرضين الذين لا يهتدون :
( لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي اللّه لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم )
ولعله من خلال هذا العرض الإجمالي لمحتويات هذا المقطع الأخير في السورة يتجلى مدى التركيز على الجهاد ؛ وعلى المفاصلة الكاملة على أساس العقيدة ؛ وعلى الانطلاق بهذا الدين في الأرض - وفقاً للبيعة على النفس والمال بالجنة للقتل والقتال - لتقرير حدود اللّه والمحافظة عليها ؛ أي لتقرير حاكمية اللّه للعباد، ومطاردة كل حاكمية مغتصبة معتدية !
ولعله من خلال هذا العرض الإجمالي لهذه الحقيقة كذلك يتجلى مدى التهافت والهزيمة التي تسيطر على شراح آيات اللّه وشريعة اللّه في هذا الزمان ؛ وهم يحاولون جاهدين أن يحصروا الجهاد الإسلامي في حدودالدفاع الإقليمي عن " أرض الإسلام " بينما كلمات اللّه - سبحانه - تعلن في غير مواربة عن الزحف المستمر على من يلون " أرض الإسلام " هذه من الكفار ؛ دون ذكر لأنهم معتدون ! فالاعتداء الأساسي متمثل في اعتدائهم على ألوهية اللّه - سبحانه - بتعبيد أنفسهم وتعبيد العباد لغير اللّه. وهذا الاعتداء هو الذي يقتضي جهادهم ما استطاع المسلمون الجهاد !
وحسبنا هذه الإشارة في هذا التقديم المجمل للدرس الأخير، لنواجه نصوصه بالتفصيل.
( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )
حديث كعب بن مالك عن المخلفين الثلاثة
هذه هي العسرة التي تخلف فيها المتخلفون وكثرتهم من المنافقين الذين سلف بيان أمرهم. ومن المؤمنين الذين لم يقعدوا شكاً ولا نفاقاً، إنما قعدوا كسلاً واسترواحاً للظلال في المدينة. وهؤلاء جماعتان ؛ جماعة قضي في أمرهم من قبل، وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، واعترفوا بذنوبهم، وجماعة أخرى :( مرجون لأمر اللّه إما يعذبهم وإما يتوب عليهم )وهم هؤلاء الثلاثة الذين خلفوا، أي تركوا بلا حكم. وأرجئوا حتى يحكم اللّه فيهم. وهنا تفصيل أمرهم بعد الإرجاء في الحكم والإرجاء في السياق..
وقبل أن نقول نحن عن هؤلاء شيئاً في تفسير النص المصور لحالهم ؛ وقبل أن نعرض الصورة الفنية المعجزة التي رسمها التعبير لهم ولحالهم، ندع أحدهم يتحدث عما كان.. هو كعب بن مالك - رضي اللّه عنه - : أخرج أحمد والبخاري ومسلم من طريق الزهري قال أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك أن عبد اللّه بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول اللّه - [ ص ] - في غزوة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول اللّه - [ ص ] - في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها، إنما خرج رسول اللّه - [ ص ] - المسلمون يريدون عير قريش حتى جمع اللّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.
ولقد شهدت مع رسول اللّه [ ص ] ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول اللّه [ ص ] في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، واللّهما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ؛ وكان رسول اللّه [ ص ] قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول اللّه [ ص ] في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز، واستقبل عدواً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول اللّه [ ص ] كثير لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان -.
قال كعب رضي اللّه عنه : فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من اللّه عز وجل. وغزا رسول اللّه [ ص ] تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليها أصغو، فتجهز إليها رسول اللّه [ ص ] والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئاً، فأقول لنفسي : قادر على ذلك إن أردت. فلم يزل ذلك يتهادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول اللّه [ ص ] غادياً والمسلمون معه ولم أقض في جهازي شيئاً، فلم يزل يتهادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، وليت أني فعلت ؛ ثم لم يقدر لي ذلك، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه [ ص ] يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر اللّه. ولم يذكرني رسول اللّه [ ص ] حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك :" ما فعل كعب بن مالك " ؟ فقال رجل من بني سلمة : يا رسول اللّه حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل : بئسما قلت، واللّه يا رسول اللّه ما علمنا عنه إلا خيراً.
فسكت رسول اللّه [ ص ].
قال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول اللّه [ ص ] توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول بماذا أخرج من سخطه غداً ؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل : إن رسول اللّه [ ص ] قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول اللّه [ ص ] قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له. وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً ؛ فقبل رسول اللّه [ ص ] منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى اللّه ؛ حتى جئت ؛ فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي :" تعال " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي :" ما خلفك ؟ ألم تكن قد اشتريت ظهرك ؟ " فقلت يا رسول اللّه، واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلاً، ولكني واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن اللّه أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بحديث صدق تجد علي فيه، وإني لأرجو فيه عقبى من اللّه. واللّه ما كان لي عذر، واللّه ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ! فقال [ ص ] :" أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي اللّه فيك " فقمت. وبادرني رجال من بني سلمة وأتبعوني فقالوا لي : واللّه ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه [ ص ] بما اعتذر به المتخلفون، فلقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول اللّه [ ص ]. قال : فواللّه ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه [ ص ] فأكذب نفسي، ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم، لقيه معك رجلان قالا ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت : من هما ؟ قالوا مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً، لي فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي
قال : ونهى رسول اللّه [ ص ] الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس - أو قال تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما. وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول اللّه [ ص ] فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه. فواللّه ما رد علي السلام. فقلت له : يا أبا قتادة أنشدك اللّه تعالى. هل تعلم أني أحب اللّه ورسوله ؟ قال فسكت، قال فعدت فنشدته فسكت ؛ فعدت فنشدته. قال : اللّه ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار.
وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب ابن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاء فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً، فقرأته فإذا فيه :
أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللّه بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها : وهذه أيضاً من البلاء. فتيممت بها التنور فسجرتها.. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذ برسول رسول اللّه [ ص ] يأتيني فقال : إن رسول اللّه - [ ص ] - يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربنها. وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك. فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللّه في هذا الأمر. فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول اللّه [ ص ] فقالت : يا رسول اللّه، إن هلالاً شيخ ضائغ، وليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال " لا، ولكن لا يقربنك " فقالت : إنه واللّه ما به من حركة إلى شيء، وواللّه ما زال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول اللّه [ ص ] في امرأتك ! فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه. فقلت : واللّه لا أستأذن فيها رسول اللّه - [ ص ] - وما أدري ما يقول إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب.
قال : فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال : ثم صليت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللّه منا قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صارخاً أوفى على جبل سَلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجداً ؛ وعرفت أن قد جاء الفرج ؛ فآذن رسول اللّه [ ص ] بتوبة اللّه علينا حين صلى الفجر. فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إليَّ رجل فرساً وسعى ساع من أسلم قِبلي، وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، واللّه ما أملك غيرهما يومئذ ؛ فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول اللّه - [ ص ] - يتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يهنئونني بالتوبة ويقولون :
ليهنك توبة اللّه عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول اللّه - [ ص ] - جالس في المسجد وحوله الناس، فقام إليّ طلحة ابن عبيد يهرول حتى صافحني وهنأني، واللّه ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، قال : فكان كعب رضي اللّه عنه لا ينساها لطلحة.
قال كعب رضي اللّه عنه : فلما سلمت على رسول اللّه [ ص ] قال وهو يبرق وجهه من السرور :" أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " قلت : أمن عندك يا رسول اللّه أم من عند اللّه ؟ قال :" لا بل من عند اللّه " وكان رسول اللّه - [ ص ] - إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول اللّه، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه وإلى رسوله [ ص ]، قال :" أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " فقلت : إني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت يا رسول اللّه إنما أنجاني اللّه بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت. فواللّه ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه اللّه من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه - [ ص ] - أحسن مما أبلاني اللّه تعالى، واللّه ما تعمدت كلمة منذ قلت ذلك لرسول اللّه - [ ص ] - إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني اللّه فيما بقي. وأنزل اللّه : لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين.
قال كعب : فواللّه ما أنعم اللّه علي من نعمة قط بعد أن هداني اللّه للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول اللّه - [ ص ] - يومئذ ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه. فإن اللّه قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال ( سيحلفون باللّه لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس - إلى قوله - الفاسقين ).
هذه هي قصة الثلاثة الذين خلفوا - كما رواها أحدهم كعب بن مالك - وفي كل فقرة منها عبرة، وفيها كلها صورة بارزة الخطوط عن القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي، ومتانة بنائها، وصفاء عناصرها، ونصاعة تصورها لمعنى الجماعة، ولتكاليف الدعوة، ولقيمة الأوامر، ولضرورة الطاعة.
فهذا كعب بن مالك - وزميلاه - يتخلفون عن ركب رسول اللّه - [ ص ] - في ساعة العسرة. يدركهم الضعف البشري الذي يحبب إليهم الظل والراحة، فيؤثرونهما على الحر والشدة والسفر الطويل والكد

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير