ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛ

ثم يؤكد الحق سبحانه وتعالى حثه للمؤمنين على القتال فيقول :
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( ١٤ ) :
وقوله تعالى : فقاتلوا في الآية السابقة كانت حثا للمؤمنين على القتال، و قاتلوهم الثانية في هذه الآية، للتحريض والترغيب في القتال، وأمر إيماني للمؤمنين بأن يقاتلوا الكفار. ثم يأتي المولى سبحانه وتعالى في هذه الآية بالحكمة من الأمر بالقتال فيقول : يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ونتساءل : إذا كان الله يريد أن يعذبهم فلماذا لا يأتي بآية من عنده تخضعهم للعذاب ؟.
نقول : لو انتصر المؤمنون بحدث كوني غير القتال لقال الكفار : حدث كوني هو الذي نصرهم. ويشاء الحق سبحانه وتعالى أن ينهزم هؤلاء الكفار بأيدي المؤمنين ؛ لأن الكفار ماديون لا يؤمنون إلا بالأمر المادي ؛ ولو أنهم كانون مؤمنين بالله لانتهت المسألة، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يُريَ الكفار بأس المؤمنين لتمتلئ قلوبهم هيبة وخوفا من المؤمنين، ويحسبوا لهم ألف حساب، فلا تحدثهم أنفسهم بأن يجترئوا على الإيمان وعلى الدين أو أن يستهينوا بالمؤمنين.
ولقائل أن يقول : إن الحق هنا يأمر فيقول : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ .
وفي آية أخرى يقول :
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ( الأنفال : ٣٣ ).
فكيف يثبت الله العذاب وينفيه ؟ ونقول : لقد نزلت الآيتان في الكفار. وسبحانه وتعالى يقول : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ولو قال : قاتلوهم تعذبوهم بأيديكم لاختلف المعنى، ولكن الآيتين تثبت إحداهما العذاب والأخرى تنفيه، ونقول : إن الجهة منفكة، فقوله تعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم أي : لا ينزل الله تعالى عليهم عذابا من السماء ما دمت فيهم، وقد وضح هذا في قوله تعالى :
وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣٢ ) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( ٣٣ ) ( الأنفال ).
فقد سبق أن طلب الكفار عذابا من السماء ينزل عليهم إن كان القرآن هو الحق ؛ فرد الحق سبحانه وتعالى بأنه لا يعذبهم مادام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ؛ لأنه أرسله رحمة للعالمين. ولكن عدم تدخل السماء بالعذاب بعد بعث رسول الله بالرسالة، لا يعني أن العذاب قد انتهى بالنسبة للكفار. وائتمن سبحانه المؤمنين على نصرة منهجه ودينه وهو معهم. ولكن العذاب يتم بالأسباب الأرضية، ولا يوجد تناقض. لأن العذاب من السماء قد يكون استئصالا لكل الكافرين ؛ صغارا وكبارا، كأن يغرقهم الطوفان، أو تأتي الصيحة فتبيدهم عن آخرهم، أو تجيئهم ريح صرصر عاتية تدمرهم، أو تصيبهم الرجفة فتجمدهم، وفي كل هذه الحالات لا يبقى أحد من الكفار ؛ ولكن القتال البشري لا يقضي على الكفار نهائيا، فالإسلام يمنعنا من قتال النساء والصبيان١، ومن قتال الذين لم يقاتلونا٢.
إذن فالعذاب بعد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عذاب استئصال وإبادة كما كان في الأمم السابقة. ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد عذَّب الأمم السابقة بتلك الوسائل، فكان على الرسول من السابقين على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسالة، وإن لم يؤمن قومه برسالته تتدخل السماء ضدهم بألوان العذاب السابقة. ولكن الحق تبارك وتعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده أن تدعو لدين الله، وتؤدب من يختصم الإيمان، ويدخل في عداوة مع المؤمنين فمنهم من يفر أو يقع في الأسر ويبقي المرأة والطفل دون تعذيب.
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ( التوبة : ١٤ ).
وما الفرق بين العذاب والخزي ؟ نقول : قد نجد واحدا له كِبْرٌ وجَلَدٌ، وإن أصابه العذاب فهو يتحمله ولا يظهر الفزع أو الخوف أو الضعف، ويمنعه كبرياؤه الذاتي من أن يتأوه، ولمثل ذلك هناك عذاب آخر وهو الخزي، والخزي أقسى على النفس من العذاب ؛ لأن معناه الفضيحة، كأن يكون هناك إنسان له مهابة في الحي الذي يسكن فيه، مثل فتوة الحي، ثم يأتي شاب ويدخل معه في مشاجرة أمام الناس ويلقيه على الأرض، هذا الإلقاء لا يعذبه ولا يؤلمه، وإنما يخزيه ويفضحه أمام الناس، بحيث لا يستطيع أن يرفع رأسه بين الناس مرة أخرى، والخزي أشد هنا إيلاما لنفسه من العذاب. ولا يريد سبحانه أن يعذب الكفار بأيدي المؤمنين فقط، بل يريد لهم الافتضاح أيضا، بحيث لا يستطيعون أن يرفعوا رؤوسهم. وجاء الحق سبحانه وتعالى بنتيجة ثالثة لهذا القتال فقال : وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ( التوبة : ١٤ ).
وعلى هذا فعندما يقاتل المؤمنون الكفار يصيب الكفار العذاب والخزي والهزيمة. إذن يعذبهم الله بأيديكم مرحلة، ويُخزيهم ، مرحلة ثانية وينصركم عليهم مرحلة ثالثة، ثم تأتي المرحلة الرابعة :
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( ١٤ ) ( التوبة )أي : أن النصر الذي سيحققه المؤمنون بعون الله تعالى في قتالهم مع الكفار سيشفي صدور المؤمنين الذين استذلهم الكفار واعتدوا عليهم، فكأن هذا النصر يشفي الداء، الذي ملأ صدور أولئك المؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم، أي : يخرج الغيظ والانفعال المحبوس في الصدور، فكأن قتال المؤمنين للكفار لا يحقق فقط العذاب والخزي للكفار والنصر للمؤمنين عليهم، ولكنه يعالج –أيضا- قلوب المؤمنين التي ملأها الألم والغيظ من سابق اعتداء الكفار عليهم ومحاولتهم إذلالهم واخذ حقوقهم. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ١٥ ) .
وهكذا يرى الذين غدروا بالعهد وتعاونوا ضد أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرون انتقام الله تعالى لهم، فتشفى صدور المؤمنين ويذهب منها الغيظ. والشفاء – كما نعلم - إنما يكون من داء، والدواء ضرورة للشفاء، وكأن انتقام الله عز وجل فيه شفاء لصدور المؤمنين من كفار قريش الذين أعانوا أبناء بكر على أبناء خزاعة حلفاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعذبهم الله بأيديكم، وينصركم عليهم، ويخزهم سبحانه وتعالى.

١ وقد وردت بهذا السنة الشريفة، فعن عبد الله بن عمر قال: "وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان". أخرجه البخاري في صحيحه (٣٠١٥-٣٠١٤) ومسلم (١٧٤٤)..
٢ يقول عز وجل: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (الممتحنة: ٨).
قال القرطبي في تفسيرها: "هذه الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم" وذكر أقوال من ذهب إلى أنها منسوخة بآية فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ثم قال: "وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة. واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله عليه وسلم: "هل تصل أمها حين قدمت عليها مشركة؟ قال: نعم". أخرجاه البخاري ومسلم..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير