ونزل بعد ذلك قول الحق تبارك وتعالى : فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ( ٢ ) .
والخطاب هنا للمشركين. وتساءل البعض : كيف يتأتى أن يكون خطاب الحق في الآية الأولى للمسلمين بالبراءة من المشركين، ثم يأتي خطاب من الله للمشركين ؟. وقال بعض العلماء أنه مادامت البراءة قد صدرت من الله، فكأن الله تعالى يقول للمؤمنين قولوا للمشركين : فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ( التوبة : ٢ ).
ولكننا نرد على هذا بأن المعاهدة تكون بين اثنين، ولذلك لابد أن يكون هناك خطاب للذين قطعوا، وخطاب للمقطوعين، ويتمثل خطاب الذين قطعوا في قوله تعالى : بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١ ) ( التوبة )
وخطابه للمقطوعين يتمثل في قوله سبحانه وتعالى : فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ( التوبة : ٢ ).
ومن سماحة هذا الدين الذي أنزله الحق تبارك وتعالى ؛ أن المولى سبحانه يعطي مهلة لمن قطعت المعاهدة معهم، فأعطاهم مهلة أربعة أشهر حتى لا يقال إن الإسلام أخذهم على غرة، بل أعطاهم أربعة أشهر ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر فسوف يستمر العهد إلى ميعاده.
فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ( التوبة : ٢ ).
وكلمة " فسيحوا " تعطي ضمانا إيمانيا، ف " ساح " معناها سار ببطء، وهناك " ساح الشيء " و " سال الشيء " عندما تقول : " سال الماء " أي تدفق وسال، وأنت تشاهده سائلا. وإن قلت : " ساح السمن " أي سار ببطء لا يدرك حتى صار سائلا. ولماذا قال الحق سبحانه وتعالى : فسيحوا في الأرض ؟.
والإجابة : أن سماحة الإسلام تمنع أن تأخذكم على غرة، وعلى الذين قطع الإسلام معهم العهد أن يسيروا وهم مطمئنون وفي أمان ولا يتعرض لهم أحد. ووقف العلماء عند تحديد أربعة الأشهر، ونظر بعضهم إلى تاريخ النزول، وقد نزلت هذه الآية في شوال ؛ إذن فتكون الأشهر الأربعة هي : شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
وقال علماء آخرون : إن ساعة النزول لا علاقة لها بالأشهر الأربعة، وإن الأشهر الأربعة تبدأ من ساعة الإبلاغ أي في الحج ؛ لأن الله تعالى يقول :
وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ ( التوبة : ٣ ).
وعلى ذلك فتكون من يوم العاشر من ذي الحجة إلى يوم العاشر من ربيع الآخر. وقال بعض العلماء : إن نزول هذه الآية كان في عام النسيء الذي كان الكفار يؤخرون ويقدمون في الأشهر الحرم، والذي قال فيه الله سبحانه وتعالى :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ( التوبة : ٣٧ ).
وأضاف صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه أبو بكر حيث قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال : " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " ١ أي أنه صلى الله عليه وسلم حسب من بداية الكون إلى هذا الوقت فرجع بالأمر إلى نصابه وألغى النسيء ؛ هذا النسيء الذي كانوا يقررونه أيام الشرك لتقديم أو لتأخير الأشهر الحرم ؛ لأنهم كانوا إذا أتت الأشهر الحرم ويريدون الحرب يؤجلون الشهر الحرام حتى يمكنهم الاستمرار في الحرب. ولذلك كان الحج في هذه السنة في شهر ذي القعدة. ومادام الحج في شهر ذي القعدة، تنتهي الشهور الأربعة في العاشر من ربيع الأول. وقيل إن اختيار أربعة الأشهر جاء ليوافق ما شرعه الله في قوله سبحانه وتعالى : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ( التوبة : ٣٦ )، فيكون عدد الأشهر مناسبا لعدد الأشهر الحرم. ولكن هذه المرة فيها ثلاثة أشهر حرم فقط هي : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والشهر الرابع هو رجب فكيف يقال أربعة ؟.
ونقول : إن الأشهر الأربعة الحرم التي فيها رجب هي الأشهر الحرم الدائمة، أما الأشهر الأربعة التي ذكرت في هذه الآية فهي أربعة أشهر للعهد تنتهي بانتهائها، ولكن أربعة الأشهر الحرم الأصلية تبقى محرمة دائما، ولقد شرع الله عز وجل الأشهر الحرم ليحرم دماء الناس من الناس ؛ ذلك أنّ الحروب بين العرب كانت تستمر سنوات طويلة دون نصر حاسم. فجعل الله الأشهر الحرم حتى يجنح الناس إلى السلم، ويتحكم فيها العقل وتنتهي الحروب.
وهنا يبلغنا الحق تبارك وتعالى أنه قد أعطى المشركين أربعة أشهر يسيرون فيها آمنين، لماذا ؟ لأن الذي يكون ضعيفا مع خصمه ينتهز أي فرصة يقدر عليه فيها ليستغلها ويقضي عليه، ولا يمهله أربعة أشهر حتى ولا أربعة أيام. ولكن القوي لا يبالي بمد الأجل لخصمه لأنه يستطيع أن يأتي به في أية لحظة. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ( التوبة : ٢ ).
ويقال فلان أعجز فلانا، أي جعله ضعيفا عاجزا. ولذلك فإن كل شيء مُعجز شرف للمُعجَز، والمثال : عندما جاء القرآن الكريم معجزا للعرب وكان ذلك شرفا لهم لأنهم كانوا أمة بلاغة وفصاحة. والله لا يتحدى الضعيف وإنما يتحدى القوي، فلغة القرآن أعجزت الفصيح والبليغ. وحين يعطي الحق سبحانه وتعالى هذه المهلة للمشركين إنما كانت ببنود معينة، وكان أمير الحج في هذا العام سيدُنا أبو بكر وكان هو الذي سيبلغ البراءة. وهي أنه لا يدخل المسجد الحرام مشرك ولا يحج مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولن يدخل الجنة إلا من آمن، هذه هي البنود.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بفطنته النبوية كان يعر ف أن العرب لا يقبلون نقض العهود والمواثيق إلا من أهلها : فأرسل صلى الله عليه وسلم سيدنا عليا بن أبي طالب ليعلن نقض العهود ؛ لأنه علم أن الكفار كانوا سيقولون : لا نقبل نقض العهد من أبي بكر ؛ بل لابد أن يكون من واحد من آل الناقض.
وحينما قال المولى سبحانه وتعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ( التوبة : ٢ )، أعطى هذه المهلة الطويلة، لأنهم مهما فعلوا في هذه المهلة، فالله غالب على أمره. فلن يفوت أو يغيب شيء عنه سبحانه وتعالى، ومهما حاولوا أن يجدوا حلفاء لهم فلن يستطيعوا شيئا مع الله، صحيح أنهم ضعفاء في هذه الفترة، وصحيح أنَّ الضعيف قد تكون قدرته على القوي مميتة لأنه يعرف أن فرصته واحدة، وإن لم يقدر على خصمه فسوف ينتهي، لكن الله غالب على أمره. وأراد الشاعر العربي أن يعبر عن ذلك فقال :
| وضعيفة فإذا أصابت فرصة | قتلت كذلك قدرة الضعفاء |
وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ( التوبة : ٢ )، الإخزاء هو الإذلال بفضيحة وعار ولا يكون ذلك إلا لمن كان متكبرا متعاليا. أي أن الله قادر على أن يخزي الكفار بفضيحة وعار مهما بلغت قوتهم وكبرهم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي