ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ

المفردات :
فسيحوا في الأرض : فسيروا فيها أحرارا.
غير معجزي الله : أي : غير مفلتين من انتقامه.
مخزى الكافرين : مذلهم في الدنيا والآخرة.
التفسير :
٢ – فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ .
أي : فسيروا في الأرض آمنين على أنفسكم من قتال المسلمين منذ أربعة أشهر، لا تتعرضون للإيذاء فيها، واعلموا أنكم غير معجزي الله . أي : واعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز، ولكن لمصلحة ؛ ليتوب من أراد التوبة ولتكون لديهم فرصة للاستعداد للقتال، إذا أصروا على شركهم وعداوتهم، وهذا منتهى التسامح. والإنذار حكمته ألا يتهم المسلمون بأخذهم الأعداء فجأة على غرة.
وأن الله مخزي الكافرين : في الدنيا بالهزيمة، وفي الآخرة بسوء العذاب، وقد علم من الآية الكريمة أن الناكثين لعهودهم، يمهلون أربعة أشهر، سواء أكانت مدتهم كذلك أم أقل منها أم أكثر، وابتداء هذا الأجل من يوم الحج الأكبر، أي : من العاشر من ذي الحجة، إلى العاشر من ربيع الآخر سنة عشر للهجرة.
ويتصل بهذه الآية ما يأتي :
١ – عقد المعاهدات إنما هو حق للجماعة يوفق عليه أصحاب الرأي والاختصاص، ثم يباشرها الإمام بعد ذلك نيابة عن الجماعة.
٢ – متى رأى الإمام مصلحة الأمة في نبذ العهود لمن كان بيننا وبينه عهد جاز له ذلك، كأن خيف منهم خيانة، أو نقضوا شيئا من شروط المعاهدة، أو وضعت على غير شرط احترامها الشرعي.
قال تعالى : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين . ( الأنفال : ٥٨ ).
٣ – الحكمة في تقدير هذه المهلة بأربعة أشهر ما يأتي :
هذه هي المدة التي كانت تكفي – إذ ذاك بحسب ما يألفون – لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة في الأرض، والتقلب في شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من التشاور، والأخذ والرد مع كل من يريدون أخذ رأيه في تكوين الرأي الأخير وفيه فوق ذلك مسايرة للوضع الإلهي، في جعل الأشهر الحرم من شهور السنة أربعة.
على أنا نجد القرآن جعل الأربعة الأشهر أمدا في غير هذا، فمدة إيلاء الرجل من زوجته أربعة أشهر، وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر، ولعل ذلك ؛ لأنها المدة التي تكفي بحسب طبيعة الإنسان، لتقليب وجوه النظر فيما يحتاج إلى النظر، وتبدل الأحوال على وجه تستقر فيه إلى ما يقصد فيه ويؤخذ من تقرير الهدنة للأعداء في هذا المقام، وتقرر مبدإ الهدنة والصلح في الإسلام، طلبها العدو أم تقدم بها المسلمون٤، وأصل ذلك مع هدنة المشركين قوله تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله... ( الأنفال : ٦١ ).
وأن مدتها تكون على حسب ما يرى الإمام، وأرباب الشورى المقررة في قوله تعالى : وشاورهم في الأمر . ( آل عمران : ١٥٩ ).
ونلاحظ أن مدة الهدنة في صلح الحديبية كانت عشر سنين، ومدتها هنا كانت أربعة أشهر، وذهب الجمل في حاشيته على تفسير الجلالين : أن المقرر في الفروع أنه إذا كان بالمسلمين ضعف ؛ فقد جاز عقد الهدنة عشر سنين فأقل، وإذا لم يكن بهم ضعف ؛ لم تجز الزيادة على أربعة أشهر٥. اه.
والأولى أن نقول : إن تقدير مدة الهدنة بين المسلمين وأعدائهم يترك تحديده إلى أهل الحل والعقد، بما يتفق مع المصلحة العامة ؛ لأن هذا من الأمور المتغيرة بحسب الزمان والمكان، خصوصا بعد التطور المستمر في وسائل الحرب وعدتها وطبيعتها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:دلالة الآيات :

تدل الآيات السابقة على ما يلي :

١ – نقض معاهدات المشركين المطلقة غير المؤقتة بزمن ؛ لأنهم نكثوا العهد، وأخلوا بشروط التعاهد.
٢ – من كان له عهد دون أربعة أشهر تكمل له مدة أربعة أشهر.
٣ – مدة الأمان أربعة أشهر من يوم النحر( عاشر ذي الحجة ) إلى العاشر من شهر ربيع الآخر سنة عشر.
٤ – من كان له عهد مؤقت، فيبقى على عهده إلى انتهاء مدته، مهما كان ما لم ينقض العهد، أو يخل بشرط من شروطه.
٥ – الإسلام يقدس العهود، ويوجب الوفاء بها، ويجعل احترامها نابعا من الإيمان، وملازما لتقوى الله.
٦ – إن افتتاح السورة بالبراءة وبدون بسملة، يدخل في النفس الرهبة الشديدة والخوف الأشد.


تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير