ثم قال تعالى : فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وهذا أمان.
وفي قوله فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ وجهان :
أحدهما : انصرفوا فيها إلى معايشكم.
والثاني : سافروا فيها حيث أردتم.
وفي السياحة وجهان :
أحدهما : أنها السير على مهل.
والثاني : أنها البعد على وجل.
واختلفوا فيمن جعل له أمان هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقاويل :
أحدها : أن الله تعالى جعلها أجلاً لمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنه أقل من أربعة أشهر ولمن كان أجل أمانه غير محدود ثم هو بعد الأربعة حرب، فأما من لا أمان له فهو حرب، قاله ابن إٍسحاق.
والثاني : أن الأربعة الأشهر أمان أصحاب العهد من كان عهده أكثر منها حط إليها، ومن كان عهده أقل منها إليها، ومن لم يكن له من رسول الله عهد جعل له أمان خمسين ليلة من يوم النحر إلى سلخ المحرم لقوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ قاله ابن عباس والضحاك وقتادة.
والثالث : أن الأربعة الأشهر عهد المشركين كافة، المعاهد منهم وغير المعاهد، قاله الزهري ومحمد بن كعب ومجاهد.
والرابع : أن الأربعة الأشهر عهد وأمان لمن لم يكن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ولا أمان، أما أصحاب العهود فهم على عهودهم إلى انقضاء مددهم، قاله الكلبي.
واختلفوا في أول مَدَى الأربعة الأشهر على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن أولها يوم يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر، وآخرها انقضاء العاشر من شهر ربيع الآخر، قاله محمد بن كعب ومجاهد والسدي.
والثاني : أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، قاله الزهري.
والثالث : أن أولها يوم العشرين من ذي القعدة، وآخرها يوم العشرين من شهر ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم ثم صار في السنة الثانية في العشر من ذي الحجة وفيها حجة الوداع، لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من النسيء، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم فيه حتى نزل تحريم النسيء وقال :" إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ "
وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ أي لا تعجزونه هرباً ولا تفوتونه طلباً.
وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الكَافِرِينَ يحتمل وجهين :
أحدهما : بالسيف لمن حارب والجزية لمن استأمن.
والثاني : في الآخرة بالنار.
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود